نعم إن الجسد والروح عنصران مختلفان، ولكنهما -في الإنسان- ممتزجان. والاضطراب لا يحدث من اجتماعهما في الكيان البشري الموحد، إنما يحدث من طغيان أحدهما على الآخر بما يفقد الإنسان توازنه الفطري الذي سواه به الله وعدله:"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ" (سورة الانفطار: 6 - 7) .
فالاعتدال -أي التوازن- هو في أصل الخلقة الربانية، ولكن الإنسان بجهالته هو الذي يخل بهذا التوازن، وعندئذ يحدث الاختلال والاضطراب في كيان النفس وفي واقع الحياة، كما يقرر الواقع المشهود، وكما بين كاتب مثل ألكسيس كاريل في كتابه البديع"الإنسان ذلك المجهول L'Home Cet Inconnu"- وهو طبيب عالم، لا شاعر ولا فنان! - حيث بيّن أن جهلنا الشديد بطبيعة الإنسان، وإهمالنا العنصر الروحي فيه، وإنشاءنا نظما اقتصادية واجتماعية وسياسية مبنية على هذا الجهل، هو الذي يجعلنا ننحدر إنسانيا كلما تقدمنا علميا وحضاريا!
والإسلام هو الذي يعيد للإنسان توازنه واعتداله الذي خلقه به الله، ويصنع ذلك بإجراء واقعي بسيط ولكنه بعيد الأثر: هو إشراك الروح والجسد في كل أمر من أمور الحياة!
الصلاة ليست تسبيحة روحية فحسب، ولكنها إلى جانب ذلك حركات يقوم بها الجسد بالقيام والركوع والسجود، إلى جانب تدبر فكري واع يقوم به العقل في الآيات المستخدمة في الصلاة.
والطعام والشراب والجنس -على الجانب الآخر- ليست حركات جسدية خالصة، ولكنها إلى جانب ذلك توجه روحي، يُقرأ عليها اسم الله لتزكيتها، ويلتزم فيها بالحلال والحرام، فتصبح موصولة بالله.
وأي عمل من أعمال الإنسان على الإطلاق لا بد أن يقع بين هذين الطرفين، ومن ثم يدخل في هذا النظام الشامل الذي يربط الروح بالجسد، ويربط الروح بالمادة ويربط الأرض بالسماء!
كذلك أمر الدين والعلم
إن في الإنسان نزعة فطرية إلى العبادة -أي إلى التدين- حتى ولو كانت العبادة فاسدة ومنحرفة عن الحق! وفيه كذلك نزعة فطرية إلى التعرف على أسرار الكون المادي من حوله، وإخضاعها لسيطرة الإنسان. وهاتان النزعتان أصيلتان في الفطرة على درجة واحدة من الأصالة، ثم إنه لا يوجد بينهما تناقض ولا تنافر ولا صراع. ولكن انحرافات البشر هي التي يمكن أن تقيم الصراع والفرقة بين هاتين النزعتين الفطريتين، وقد حدث هذا الانحراف بالفعل في أوروبا في بدء النهضة عندما قام رجال الدين يحاربون العلم والعلماء، ويهددون علماء مثل كوبرنيكوس وجاليليو وجوردانو برونو بالحرق والتعذيب والقتل، لغير شيء سوى أنهم نادوا بأفكار علمية أثبتت الأيام صحتها فيما بعد.
وقد يكون خارجا عن موضوعنا أن نقول أن هذا الصراع كان منشؤه العصبية الدينية الحقيقة، فإن رجال الدين هؤلاء قد حاربوا هذا العلم لأنه -كما أثبت التاريخ- كان مأخوذا عن علماء المسلمين!
وأيًا كان السبب في هذا الصراع، فلم يكن الدين السماوي المنزل هو السبب فيه، إنما كان ناشئا عن انحرافات بشرية بحتة، لا علاقة لها بالحق المنزل من عند الله. وكلما امتد خط الزمن زات الفرقة وزاد الصراع، حتى أصبح ذكر اسم الله في البحث العلمي يعتبر في حس الرجل الأوروبي العادي إخلالا بروح البحث العلمي، وخلطا لا ينبغي أن يحدث بين عنصرين غير قابلين للامتزاج كما يقول دارون في أحد كتبه:"إن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الإرادة الإلهية يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت!"