وقال كتاب آخرون ومفكرون إنه أمر ملازم للحضارة سواء كان ضارا في ذاته أو نافعا. وهذا تشخيص تنقصه الدقة العلمية. فهو ملازم للحضارة التي تعيش في عالم المادة وتهمل جانب الروح، لأنها من جهة تفقد المصدر الذي يعطي الطمأنينة الحقة، ومن جهة أخرى توزع النفس الإنسانية وتمزقها بين إلهين اثنين: إله يعبد في المعبد فترة قصيرة من الوقت، وإله آخر يحكم واقع الحياة، فضلا عن كون هذا الإله الأخير، وهو الأكثر مصاحبة للإنسان، إلهًا صلدًا لا يرحم ولا يوحي لعباده بالطمأنينة والاستقرار .. وفي واقع التاريخ وجدت حضارة مزدهرة من قبل لا تحس بالقلق القائل، لأنها كانت تعيش مطمئنة بذكر الله!
وهو ثانيًا يوحّد في داخل النفس وفي واقع الحياة بين أشياء كثيرة تفرق بينها انحرافات البشرية المعاصرة بغير وجه حق، والأصل فيها هو الترابط وليس الانفصال.
يوحد بين الروح والمادة، وبين الجسد والروح.
ويوحّد بين الدين والعلم وبين الدين وعمارة الأرض.
وبين الدين والحياة.
ويوحّد أخيرا بين الدنيا والآخرة.
ولنتكلم كلمات قليلة عن كل لون من ألوان الوحدة هذه التي يقدمها الإسلام.
فأما الروح والجسم، أو الروح والمادة فهما أصيلان في التكوين البشري:"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (سورة ص: 71 - 72) .
وهما مترابطان منذ مولد الإنسان بغير افتراق. وتاريخه كله مصداق هذه الحقيقة. ولكن جاهليات التاريخ تنحو دائما إلى التفريق بينهما بإعطاء كل منهما طريقا يفترق عن طريق الآخر، وبتضخيم جانب منهما على حساب الجانب الآخر.
بعض جاهليات التاريخ تضخم جانب الروح على أساس أنها الجوهر الحقيقي في الإنسان، وتحتقر الجسد وتترفع عليه، وتنظر إليه على أنه دنس غير خليق بالتكريم، إنما حقه الازدراء والتحقير، والإرهاق والتعذيب! كما تحتقر الجانب المادي من الحياة باعتباره هو الجانب اللاصق بالجسد، أي اللاصق بالطين!
وجاهليات أخرى تضخم جانب الجسد والمتاع الحسي وتعتبر أنه هو الأصل، وأن الروح خيال جميل لا واقع له! أو أمر ثانوي في حياة الإنسان! أو معوق عن الانطلاق! ومن ثم تروح تهتم اهتماما بالغا بالانتاج المادي، والتعمير المادي، وتكاد تهمل الإنتاج الروحي وعمارة الروح.
وكلاهما يقيم وجوده على أساس باطل، هو افتراض وجود ذلك التناقض بين الجسد والروح الذي لا سبيل إلى التوفيق بين عنصريه إلا بكبت أحدهما لحساب الآخر، فإما أن يكبت الجسد لتنطلق الروح، وإما أن تكبت الروح ليتحقق الانطلاق المادي.
ولكن الذي يحدث في عالم الواقع أن الكبت -في كلتا الحالتين- لا يؤدي إلى الخير.
فكبت الجسد وقتل حيويته -فضلا عن مخالفته للفطرة- يؤدي إلى تعطيل الطاقات البشرية، والتأخر المادي والحضاري، والفقر والبؤس والكآبة والتشاؤم واليأس!
وكبت الروح وطمس شفافيتها يؤدي إلى القلق النفسي من ناحية، وإلى السعار الجسدي الذي لا يرتوي مهما أغرق في الشهوات، وإلى التكالب على المتاع الأرضي الذي يؤدي حتما إلى الصراع على نطاق الأفراد والجماعات والدول والشعوب!
وتلك كلها عوارض مرضية تدل على أن مخالفة الفطرة قد حدثت فنشأ عنها الاختلال.
والإسلام يعطي البديل المتوازن الذي يؤلف بين الروح والجسد ولا يقيم بينهما التناقض ولا الصراع!
إنه لا يقرّ أصلا بوجود ذلك التناقض الذي لا سبيل إلى التوفيق بين عنصريه.