الصفحة 4 من 10

يحدث بادئ ذي بدء أن يقدم الإنسان إلى خالقه العبادة الصحيحة الواجبة له. فإن الإنسان لا يقدر الله حق قدره إذا عبده في ساعة من نهار في صلاة أو نسك ثم انصرف عن عبادته بقية يومه وبقية عمره! والله يقول:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (سورة الذاريات: 56) بذلك المعنى الواسع للعبادة الذي يشمل الصلاة والنسك والمحيا والممات. ومن ناحية أخرى يكون هذا بمثابة عبادة إلهين اثنين: إله يعبد في المعبد بالصلاة والنسك. وإله آخر (أو آلهة متعددة ولكنها في النهاية واحد) يعبد -بالطاعة والاتباع- في بقية شئون الحياة، والقرآن يقول:"وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ" (سورة النحل: 51) .

واستشعار القلب البشري لعظمة الله الخالق، وقدرته المعجزة، المتبدية في خلق الكون على هذه الصورة البديعة من الدقة والانتظام والتناسق، وخلق الأحياء من نبات وحيوان وإنسان .. كل ذلك يؤدي به -أو ينبغي أن يؤدي به- إلى عبادة هذا الإله العظيم بما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ولا يتأتى هذا بعبادته عبادة طائرة في لحظة، والانصراف عن عبادته بقية اليوم وبقية الحياة.

وبصرف النظر عن الجزاء الرباني على تلك العبادة، فإن"الشعور بالواجب Sense of Duty"يقتضي القيام بها تلقائيا أداء للأمانات إلى أهلها:"إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (سورة النساء: 58) ومنذا الذي يستحق العبادة الدائمة الخالصة غير هذا الإله القادر العظيم؟ ..

ولكن الله من رحمته يتفضل على الناس بأنهم حين يؤدون إليه هذه الأمانة وهي العبادة بمعناها الواسع الشامل، أو بمعناها الكلي الموحد، فهو يثيبهم عليها جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ويؤمن لهم مستقبل حياتهم كله بعد الموت، وهي الفترة الأطول في حياة الإنسان، والأجدر بأن يسعى إلى تأمينها من كل سوء.

أما هنا في الحياة الدنيا فإن توحيد العبادة يصنع أشياء كثيرة مهمة في حياة الإنسان.

فهو أولا يمنحه الطمأنينة النفسية التي يفقدها المرء خارج نطاق الإيمان، حيث لا تستطيع أن تمنحه إياها كل عقاقير"السوما"ولا الخمر ولا المخدرات، ولا الإغراق في اللهو أو المتاع الحسي، فهذه كلها تؤكد وجود الحالة التي يريد الإنسان أن يهرب منها، ولكنها لا تزيلها ولا تعالجها. إنما تأتي الطمأنينة من الإيمان ومن ذكر الله كما يقرر القرآن:"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (سورة الرعد: 28) .

وهذه الطمأنينة ليست هي الاستسلام البليد للأحداث .. إنها الضرب في مناكب الأرض سعيا وراء الرزق، والجهاد في سبيل الله لإقرار العدل الرباني في الأرض ومجاهدة كل نوع من أنواع الظلم الذي يبغضه الله، وطلب العلم، وتعمير الأرض .. مع الاطمئنان في ذلك كله إلى الله، لأنه هو الذي بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء. ولأن المؤمن مطمئن إلى أن الله لا يريد به -دائمًا- إلا الخير. ومن هنا يحدث في واقع الأرض سعي وراء الرزق بغير قلق، وطلب للعلم بغير قلق، وجهاد في سبيل الله بغير قلق، وحضارة غير قائمة على القلق، كما حدث ذلك بالفعل مرة في التاريخ على أيدي الأجيال الأولى من المسلمين.

ولقد كان كتاب ومفكرون إلى عهد ليس ببعيد، يمتدحون هذا العصر بأنه عصر القلق .. ويسمونه القلق الخلاق! ولكنهم عادوا فعرفوا أنه جرعة سامة ولو كان في أبسط مقاديره! وأن التوفز الذي يحدثه ليس نشاطا حقيقيا، ولا خلاقا؛ إنما هو عرض مرضي لا يلب أن يؤدي إلى مضاعفات أخرى تفقد الإنسان أمنه وصحته النفسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت