الصفحة 3 من 10

فإن القسم الأكبر من القرآن، سواء ما نزل منه في مكة أو ما نزل في المدينة معنى بهذه القضية: من هو الإله الذي يستحق العبادة، وعلى أي صورة ينبغي أن يعبد، مع إبراز تلك الحقيقة المشار إليها، وهي أن الإنسان عابد في كل حالة من حالاته، فإما أن يكون عابدًا لله، وإما أن يكون عابدًا لشيء آخر مع الله أو من دون الله، وكلاهما سواء!

ويعلمنا الإسلام أن الله خالق هذا الكون ومدبر أمره هو الذي يستحق العبادة وحده دون شريك. ويفتح بصيرتنا وعقولنا على آيات الله في الكون لنتدبرها ولنعرف من خلال تدبرنا لها أنه لا يمكن أن يكون لهذا الكون إلا خالق واحد ذلك أن التناسق الملحوظ في بنية هذا الكون وانتظام حركته الدقيقة لا يمكن أن يتأتى إذا اشتركت أكثر من مشيئة واحدة في بنائه وتسييره:"لَوْ كَانَ فِيهِمَا [1] آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" [2] "إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [3] "مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ" [4] .

فإذا لم يكن في الإمكان أن يصدر هذا الكون عن مشيئتين مختلفتين، ولم يكن ثمة إلا خالق واحد، فإنه هو وحده الذي يستحق العبادة، وكل من عداه من أشياء وكائنات هي خلق من خلق الله لا تستحق أن تعبد مع الخالق أو من دونه، ومن ثم فعبادتها باطلة من أساسها، ولا يليق بإنسان عاقل أن يتوجه إليها بالعبادة.

فإذا تقررت هذه الحقيقة فإن القرآن ينتقل إلى القسم الآخر من القضية وهو بيان الصورة الصحيحة لعبادة الله، فيقرر توحيد العبادة كما قرر وحدة الألوهية من قبل.

إن العبادة الصحيحة لله تتمثل في جانبين متكاملين لا ينفصل أحدهما عن الآخر. ولا يغني أحدهما عن الآخر تقديم شعائر التعبد لله وحده دون شريك. واتباع ما أنزل الله وتحكيمه في واقع الحياة.

فالصلاة لصنم أو شيء أو شخص أو تقديم القرابين إليه أو توجيه الدعاء إليه مفسد للعقيدة ومفسد للعبادة. واتخاذ منهج للحياة غير المنهج الرباني هو كذلك مفسد للعقيدة ومفسد للعبادة على قدم سواء.

وبهذه الطريقة تتوحد العبادة ويتوحد الاتجاه.

فالإله الذي يتوجه إليه الإنسان في صلاته ونسكه، هو ذاته الإله الذي يتوجه إليه وهو يتعلم، وهو ينشط في طلب الرزق، وهو يسعى لاستغلال طاقات الكون لتعمير الأرض، وهو يأكل ويشرب ويمارس نشاطه الجنسي، وهو يتعامل مع زوجته وأولاده في داخل الأسرة، ومع غيره من الأفراد في المجتمع، ومع غيره من المجتمعات والشعوب والدول في المسلم أو في الحرب سواء:"قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ" (سورة الأنعام: 162 - 163) .

وليس مقتضى ذلك أن يذكر اسم الله بلسانه وهو يقوم بكل واحد من هذه النشاطات المتعددة، ولا أن يكتب اسمه -تعالى- على الورق الذي يستخدمه في تدوين ما يتعلق بهذه الأشياء. إنما مقتضاه الحقيقي أن يذكر بقلبه ووجدانه إلى جانب ذكره بلسانه، وأن تكون هناك صورة عملية واقعية لهذا الذكر، هي الالتزام في كل ذلك بأوامر الله. وأوامر الله -في الإسلام- قد تعلقت بهذه الأمور كلها وبينت في شأنها ما يحل وما يحرم، وما يباح وما لا يباح.

وحين يحدث ذلك فإن شيئا ضخما جدا يحدث في حياة الإنسان.

(1) أي في السماوات والأرض.

(2) سورة الأنباء"22".

(3) سورة المؤمنون"91".

(4) سورة الملك"3".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت