أما قضية الشفاعة المزعومة - التى تقوم على توهم أن بعض هذه الآلهة المدعاة لها شفاعة مقبولة عند الله - فقد عنى القرآن بتفنيدها عناية واضحة، لأنها - فوق بطلانها في عالم الحقيقة - ذات أثر مفسد لعقائد الناس وسلوكياتهم، إذ تفسد التصور الصحيح لحقيقة الألوهية، وتغرى البشر بمعصية أوامر الله اتكالا على شفاعة الآلهة التى تنجيهم من العقاب!
(( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ) ) [1] 0
(( وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) ) [2] 0
(( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون(254) الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه )) [3] 0
(( الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون ) ) [4] 0
(( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له000 ) ) [5] 0
ومرة أخرى قد يبدو لأول وهلة أن معتقدات الجاهلية العربية حول الشفاعة والشفعاء قد انتهى أمرها، وأن هذا القسم من كتاب الله الذى يتحدث عن الشفاعة هو للذكرى! وليس له مكان في عالم اليوم! فنقول إن العالم الإسلامى ذاته - في غربة الإسلام الحالية - أحوج ما يكون إلى تدبر آيات الله في هذا الشأن، وقد أفسدت الصوفية الجانحة عقائد الناس، وضخمت الشيخ في حس المريد حتى صار واسطة بينه وبين الله، وشفيعا له عند الله، لا في أثناء حياته فحسب، بل حتى بعد أن يموت ألف عام!
وذلك فضلا عن وثنيات شتى ما تزال تعيث فسادا في الأرض!
قضية الغيب - كما أسلفنا - من موقظات الفطرة، ومن المؤثرات التى توقع إيقاعات شتى على الحس البشرى. فهناك باستمرار غيب لا يستطيع الإنسان إدراكه، هو المستقبل كله، سواء المستقبل البعيد أو المستقبل القريب، وهناك - دائما - رغبة ملحة عند الإنسان أن يعرف ما يحدث له غدا، ولو في خطوط عريضة إن تعذر التفصيل. ولكنه - في واقع الأمر - عاجز عن معرفة شىء يقينى بالنسبة لذلك الغيب لا بالإجمال ولا بالتفصيل00
ومن هنا يهزه حديث الغيب!
والقرآن لا يفتأ يحدث هذه الهزة في القلوب!
(( وعند مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ) [6] 0
هل هناك إحاطة أدق أو أشمل من هذه الإحاطة؟! حتى الورقة الساقطة من غصنها، حتى الحبة في ظلمات الأرض، حتى الرطب واليابس .. إحاطة تدير الرءوس! يلهث الخيال البشرى في تتبعها فلا يستطيع اللحاق بها وهى تنتقل به من مكان في الأرض إلى مكان، ومن مجال إلى مجال!
(( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) ) [7] 0
(( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) ) [8] 0
(( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) ) [9] 0
(( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير ) ) [10] 0
(1) سورة الزمر: 43
(2) سورة النجم: 26
(3) سورة البقرة: 254، 255
(4) سورة السجدة: 4
(5) سورة سبأ: 23
(6) سورة الأنعام: 59
(7) سورة النمل: 65
(8) سورة الرعد: 9 - 11
(9) سورة طه: 7
(10) سورة لقمان: 34