إن الذى ألم بالجاهلية المعاصرة - بسبب ما حصلت عليه من المعرفة - أشنع بكثير مما كان يلم بالجاهلية العربية بسذاجة أفكارها وسذاجة معتقداتها، فضلا عما تتصف به هذه الجاهلية الحديثة من الغرور العلمى الذى يخيل إليها أنها (( شبت عن الطوق، ولم تعد في حاجة إلى وصاية الله [1] ! والذى يخيل إليها من جانب آخر أنها سيطرت على البيئة!
إن زلزلة واحدة كالزلزال الذى حدث في تركيا وخسف القاعدة الحربية البحرية التى تطاول فيها أحد ضباطهم على رب العرش في علاه، ومزق المصحف وداسه بأقدامه، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وراح ضحية الزلزال عشرة آلاف من البشر [2] ، وإن عاصفة واحدة كالعاصفة التى اجتاحت شمالى فرنسا فاقتلعت أربعين ألف شجرة راسية شامخة، وقتلت من قتلت، وحطمت ما حطمت في شتاء عام 1420هـ (1999م) .. لكفيلة أن ترد الناس إلى صوابهم، لو كانوا يعقلون00
ولقد أنذرهم الله في كتابه الذى أنزله قبل أربعة عشر قرنا، ولا يزال الإنذار قائما إلى قيام الساعة:
(( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور(16) ام أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير )) [3] 0
(( أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ) ) [4] 0
إن العلم هبة من عند الله سبحانه وتعالى:
(( وعلم آدم الأسماء كلها 000 ) ) [5] 0
(( اقرأ وربك الأكرم(3) الذى علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم )) [6] 0
وهو قمين في النفس السوية بأن يجعل الإنسان أكثر تقربا إلى الله وخشية له:
(( .. إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ) [7] 0
ولكن الجاهلية المعاصرة - التى تستمد مفاهيمها ومشاعرها من التراث الرومانى الإغريقى الوثنى - قد ورثت فيما ورثت من ذلك التراث أن العلم شىء انتزعه الإنسان من الإله على كره منه، فهو يستخدمه للتمرد على سلطان الله، وتأليه نفسه بدلا من الله [8] ، حتى يقول ذلك الملحد الذىشرنا إليه من قبل - جوليان هكسلى - إن الإنسان كلما ازداد علما ارتفع في حس نفسه درجة، وهبط الإله في حسه في ذات الوقت درجة، حتى يأتى اليوم الذى يخلق فيه الإنسان الحياة، فيصبح هو الله!
نعوذ بالله مرة أخرى من الكفر 00
ونعود إلى كتاب الله فنجد فيه الرد على تبجح المتبجحين اليوم، كأنما أنزل اليوم ليرد عليهم:
(( أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون(35) أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون )) [9]
(( أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور ) ) [10] 0
فلو حجب عنهم العلم فكيف كانوا يعلمون؟ ولو أمسك عنهم الرزق فكيف يعيشون؟
وهم أنفسهم - أو عقلاؤهم على الأقل- قد بدءوا يدركون أن ما كشفه لهم العلم من الأسرار لا يقاس إلى جانب ما اكتشفوا أنهم يجهلونه من أسرار الكون! وأن كل كشف جديد يفتح الباب على مجاهيل جديدة لم يكونوا أصلا يدركون وجودها، وأنهم في كل مرة يقفون أمام حاجز جديد عليهم أن يتخطوه .. وأن الحاجز الأكبر الذى يقفون أمامه من مبدأ الأمر إلى آخر الأمر، هو: لماذا تتصرف الأشياء على النحو الذى اكتشفوا أنها تتصرف عليه، وليس على أى نحو آخر؟! أى بعبارة أخرى: سر الخلق! (( ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ) ) [11] وهم في النهاية كما وصفهم الله في كتابه المنزل: (( يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ) [12] 0
(1) هذه قولة شائعة في كتاباتهم0
(2) حدث هذا الزلزال في صيف عام 1420هـ (1999م)
(3) سورة الملك: 16،17
(4) سورة الملك: 20
(5) سورة البقرة: 31
(6) سورة العلق: 3 - 5
(7) سورة فاطر: 31
(8) راجع أسطورة (( برومثيوس سارق النار المقدسة ) )
(9) سورة الطور: 35،36
(10) سورة الملك: 21
(11) سورة طه: 50
(12) سورة الروم: 7