(( وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحي العظام وهى رميم ) ) [1]
(( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ) ) [2] 0
وكان رد القرآن عليهم غاية في البساطة، وغاية في الوضوح، وغاية في استقامة المنطق، لولا أن الأمر في حسهم كان أعجب من أن يصدقوه، واحتاج إلى التذكير المستمر، والمناقشة المستمرة، حتى استقر في العقول والقلوب، وصار في النهاية يقينا لا يقل في قوته ووثاقته عن اليقين بوجود الله0
كان الرد القرآنى الواضح البسيط: أن الذى خلق أول مرة لا يعجز عن إعادة الخلق، بل هو أهون عليه!
(( وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ) ) [3] 0
(( أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) ) [4] 0
(( وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم(78) قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم )) [5] 0
(( قل كونوا حجارة أو حديدا(50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدها قل الذى فطركم أول مرة )) [6] 0
(( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ) ) [7] 0
هكذا كانت القضية في غاية الوضوح. ولكنها - مع وضوحها - احتاجت إلى مجاهدة طويلة حتى استقرت. ذلك لأن حقيقة الخلق الأول - وهى الركيزة الرئيسة في النقاش حول قضية البعث - لم تكن تحتل في نفوس المشركين مساحتها الحقيقية التى ينبغى أن تأخذها. إنها أمر واقع، نعم! وهم لا ينكرونها: (( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ) [8] . (( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ) [9] . ولكنها حقيقة ميتة باردة في حسهم، لا نبض فيها ولا إشعاع، لأن نفوسهم قد أكلها الصدأ، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فلم تعد الأصداء الحقيقية لحقائق الوجود تصل إليهم، سواء من ناحية تفرد الله بالألوهية وما يقتضيه ذلك من إفراد الله بالعبادة، فلا يعبد غيره، أو من ناحية الإيمان بالبعث حين يخبرهم به الوحى المنزل، ويدلل لهم عليه بأن الذى خلق أول مرة قادر على إعادة الخلق .. ولو كانت قضية الخلق من العدم - التى ذكرهم بها مرات ومرات - تأخذ في حسهم مساحتها الحقيقية، ما حتاجوا إلى كل ما احتاجوا إليه من نقاش حول قضية البعث، مهما كانت غرابتها عليهم في الوهلة الأولى. فإن خلق أبسط الكائنات، فضلا عن الإنسان، فضلا عن السموات والأرض هو أمر معجز لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا أقروا أن الله هو الخالق- كما كانوا يقرون بالفعل - فما وجه الإنكار بالنسبة للنشأة الثانية؟!
إنها الجاهلية! ولا شىء غير الجاهلية!
واعجب إن شئت للجاهلية المعاصرة - التى تدل على التاريخ كله بما أحرزته من (( العلم ) )- تنكر وجود الله أصلا، وتنكر البعث كذلك، وتنكر كل ما لا تدركه الحواس .. لا لأسباب (( علمية ) )ولكن لسبب وجدانى بحت، هو الهروب من إله الكنيسة الذى كانت الكنيسة تستعبد الناس باسمه، وتضيق عليهم، وتضطهدهم، وتطاردهم في يقظتهم ومنامهم، وتفرض عليهم كل أنواع الطغيان: الروحى والمالى والسياسى والعقلى والعلمى .. فهربوا إلى إله لا كنيسة له ولا رجال دين، ولا دخل له بأعمال الناس في الأرض، يهيمون على وجوههم كالأنعام دون أن يحاسبهم على أعمالهم، وسموه (( الطبيعة ) )ونسبوا إليه الخلق والتدبير، وإن كانوا نفوا عنه (( الحكمة ) )فقال عنه دارون: (( الطبيعة تخبط خبط عشواء! (( Nature works haphazardly ) )0
(1) سورة يس: 78
(2) سورة السجدة: 10
(3) سورة الروم: 27
(4) سورة يس: 81
(5) سورة يس: 78، 79
(6) سورة الإسراء: 50، 51
(7) سورة ق: 15
(8) سورة لقمان: 25
(9) سورة الزخرف: 87