والجاهلية العربية لم تكن تنكر وجود الله، ولا أنه هو الخالق، ولا أنه هو مدبر الأمر، ولكنها - في جهالتها - كانت تشرك به آلهة أخرى. أما البعث فموقفها منه لا يختلف كثيرا عن موقف الجاهلية المعاصرة. فهو في جانب منه ناشئ من عدم الرغبة في أن يكون هناك رقيب يحاسبهم على أعمالهم، وينذرهم بالعقاب الأليم على ما يقترفون من تصرفات خاطئة في الحياة الدنيا، سواء كانت مظالم يمارسونها، أو شهوات يغرقون في حمأتها ولا يحبون أن يقلعوا عنها. ومن ثم (( يهربون ) )من الموقف بنفى البعث أصلا، ونفى قدرة الله عليه، حتى يستريحوا من ذلك الخاطر المزعج، خاطر الحساب على ما يقترفون من أعمال، وينطلقوا مع شهواتهم بلا ضابط!
ومن قبل، قال قوم شعيب حين طالبهم نبيهم بالاستقامة في البيع والشراء، وعدمن إيقاع الظلم على الناس: (( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) ) [1] 0
فاستهجنوا منه أن يطالبهم بشىء يضبط تصرفاتهم، ويجعل لها معيارًا غير أهوائهم وشهواتهم، ورفضوا الدين كله الذى جاء به شعيب عليه السلام من أجل ذلك0
كذلك استهجن مشركوا العرب دعوى البعث والنشور، والحساب والجزاء، كراهية لأن يحاسبوا، لا اعتمادا على (( منطق ) )حقيقى يبرر إنكارهم0
(( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) ) [2] 0
(( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) ) [3] 0
(( قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين(136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين )) [4]
والسبب الأول في ذلك بطبيعة الحال هو انطماس البصيرة، والغفلة التى تعطل حواس الهداية:
(( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ) [5] 0
(( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم(73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون )) [6] 0
نعم .. ولكن القرآن - المعجز - ظل يعالج هذه القلوب المنكرة النافرة، حتى آمنت بالله، وآمنت بالبعث والنشور، وتعمق الإيمان فيها حتى صنع ما يشبه المعجزات!
جريان الأحداث، سواء في الكون المادى أو في حياة البشر، من الأمور التى تروع الحس البشرى كما أشرنا آنفا، فيروح يبحث عن المحرك الذى يحرك الأحداث، كما يروح يتساءل عن دلالالتها: هل وراءها تدبير منظم. أم تحدث فوضى بلا نظام؟ وهل وراءها حكمة أم تحدث بلا حكمة ولا هدف؟!
والقرآن - المنزل من لدن خالق الفطرة، ومودع ما أودع فيها من نوازع واتجاهات ومنسربات عميقة - يلتقى مع الفطرة، فيحدثها حديثا مستفيضا عن حركة الأشياء وحركة الأحداث:
ولنعد إلى المثال الذى ذكرناه من قبل: (( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ) [7] 0
إن المثال الواحد قد تكون له دلالات مختلفة؛ وإيقاعات مختلفة. فقد أوردنا هذا المثال من قبل لبيان طريقة القرآن في إحياء مشاهد الكون التى قد يتبلد عليها الحس بسبب الألفة الطويلة، فيعيدها القرآن جديدة، تصدر إشعاعها وإيقاعها، فيلتقطه القلب الغافل. والآن في مجال الحركة المؤثرة التى تحرك الوجدان ليتتبعها00
ولكن المجال الذى نحن بصدده لا ينحصر في ذلك المثال، فمثله في القرآن كثير:
(1) سورة هود: 87
(2) سورة الروم: 29
(3) سورة غافر: 56
(4) سورة الشعراء: 136 - 138
(5) سورة الأعراف: 179
(6) سورة المؤمنون: 73، 74
(7) سورة البقرة: 164