وفى النص الثانى يجئ ذكر السحاب مع ما يصحبه من رعد وبرق وصواعق، في معرض القدرة الإلهية من ناحية، وجدال الكفار حول الألوهية من جهة أخرى، لبيان تهافت هذا الجدل وقيامه على غير أساس0
وفى الآية الثالثة يجئ ذكر السحاب جزءا من لوحة الظلام المطبق التى تحدثنا عنها في الفصل الماضى، في المواجهة الرائعة بين أنور نور وأظلم ظلام0
وفى الآيتين الرابعة والخامسة إشارة إلى إرسال الله للرياح فتثير السحاب الذى يصرفه الله كيف يشاء. ولكنا نلاحظ التنويع بين قوله تعالى في الآية الأولى: (( الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابًا .. ) )وقوله تعالى في الآية الأخرى: (( والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابًا .. ) ). والاختلاف مقصود للتنويع كما أشرنا في الفصل السابق. ولكن الآية الأخيرة فيها إضافة أحدثها تغير زمن الفعل (مضارع في الأولى وماض في الثانية) . فقوله تعالى: (( .. أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلد ميت ) )تفيد أن من شأن إرسال الرياح أن تثير سحابا. كأنما أوكل الله إلى الرياح أن تقوم بهذا الأمر، تكليفا منه سبحانه وتعالى. فحين يرسل الله الرياح تقوم هى بما كلفها الله به، فتثير السحاب! وهذا وذاك من أمر الله وتدبيره، ولكن التنويع يضيف إلى المشاهد غنى، ويجدد تأثيرها في النفس وإن تشابهت الألفاظ00
ولقد كنا حتى هذه اللحظة في مناسبة نص واحد من النصوص القرآنية التى تعرض آيات الله في الكون، وهو قوله تعالى: (( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ) [1] . وتطرق بنا الحديث عن هذا النص الواحد إلى النماذج المتعددة التى تتحدث عن المفردات الواردة في هذا النص الحاشد. ولكن هذا النص ليس هو الوحيد في كتاب الله في شموله لآيات عدة من آيات القدرة الربانية .. ولو ذهبنا نتتبع كل النماذج لتشعب بنا الحديث أكثر. إنما أردنا فقط بإيراد هذا النص أن نفتح الباب للتأمل في تنوع المشاهد وتعددها حتى وإن بدت لأول وهلة مكررة، وتعدد الأجواء التى تعرض فيها المشاهد، وكيف أنها تعطى في كل مرة تأثيرا مختلفا في النفس، وإيقاعا مختلفا على أوتار القلب، فيظل القلب في تلق دائم لتلك الإيقاعات التى تجيئه من كل صوب، وتدخل إليه من كل مدخل، فلا يملك أن يتجاهلها أو ينصرف عن دلالتها00
ولكن مداخل النفس كثيرة كما أسلفنا. وكل الأمثلة التى أشرنا إليها حتى الآن هى في مجال آيات الله في الكون، سواء من جهة الضخامة المعجزة في هذا الكون، أو الدقة المعجزة فيه. ولكن القدرة الربانية لها مجالات متعددة، وليست مجالا واحدًا. وكلها مؤثر. وكلها موقظ للفطرة، لا يدع لها مجالا لأن تغفل عن الحقيقة العظمى في هذا الوجود، وهى حقيقة الألوهية0
وقد أشرنا من قبل إلى ظاهرة الموت والحياة، وقلنا إنها من أشد ما يوقظ الفطرة إلى حقيقة الألوهية، بعد الإعجاز البادى في الكون المادى سواء بضخامته أو دقته التى تروع الحس البشرى0
ونجد في المقابل - في كتاب الله - عناية واضحة بإبراز هذه الظاهرة، والدخول بها إلى أعماق القلب الإنسانى لتهزه من أعماقه، وتوقظه من سباته.
فالله سبحانه وتعالى - بادئ ذى بدء- يصف نفسه بأنه (( الحى ) ) (( الحى القيوم ) ) (( الحى الذى لا يموت ) )..
(1) سورة البقرة: 164 0