وفى الآية الثانية يشير إلى ثلاثة أمور كونية في آن واحد: الأمر الأول هو الرياح (( اللواقح ) )التى تكثف السحاب وتدفعه فينزل منه الماء. والأمر الثانى هو سقيا البشر من هذا الماء، وهو أمر تتوقف حياتهم عليه. والأمر الثالث هو عجز البشر عن اختزان هذا الماء، ولقيد يبدون لإنسان الجاهلية المعاصرة أن هذا الأمر الأخير لم يعد واردا بعد تمكن الإنسان من إنشاء الخزانات الضخمة التى تختزن الماء! وأن الإنسان قد توصل بعلمه وقدرته إلى أن يشارك الله في قدرته! وحقيقة، إن الله قد علم الإنسان ومكنه من تخزين بعض ما يجريه الله من المطر في صورة أنهار. ولكن الجزء الأكبر من الأمطار التى تنزل على الأرض إما ذاهب إلى البحار والمحيطات، وإما متبخر بفعل حرارة الشمس، وإما متسرب إلى باطن الأرض، وكله ينطبق عليه النص: (( وما أنتم له بخازنين ) ) [1] !
وفى الآية الثالثة أشار إلى الماء الذى يتسرب إلى باطن الأرض ثم يخرج على هيئة ينابيع، تسقى الأرض فيخرج منها زرع مختلف ألوانه .. وذلك في معرض تذكير الناس، بمآل المتاع الأرضى، (( ثم يصير حطامًا ) )لكى لا تفتنهم الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، عن الآخرة وما فيها من حساب وجزاء، ونعيم خالد أو شقاء0
وفى النص الرابع يشير إلى السقيا وإنبات الزرع، وإلى معجزة الخلق، التى تخلق الأنواع كلها التى تسقى بماء واحد، فتخرج مختلفة الأشكال والألوان والطعم والمذاق0
وفى النص الخامس يذكر برحمة الله التى تنزل الغيث على الناس بعد ما يكونون قد قنطوا من انقطاع المطر وأصابتهم الشدة من الجفاف، وذلك في معرض تذكيرهم بأن الذى يحي الأرض بعد موتها قادر على أن يحي الموتى، وهو ما كان المشركون يستبعدونه تماما ويرونه مستحيلا .. فيقربه إليهم بقياسه إلى ما يرونه أمامهم من آيات القدرة الربانية، وأنه لا فرق - من حيث القدرة - بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى، فالذى يقدر على هذه يقدر على تلك0
وفى الآيات كهلا أنت مع الماء النازل من السماء، ولكنك في كل مرة مع مشهد مختلف، وتوجيه مختلف!
يأتى في آية البقرة (164) بعد ذلك تصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض. ونكتفى بشأن الرياح بالنماذج السابقة التى ورد فيها ذكر الرياح اللواقح، والريح الطيبة، والريح العاصفة، والريح الساكنة، وإن كانت النماذج في كتاب الله كثيرة. وننتقل الآن إلى السحاب المسخر بين السماء والأرض:
(( ألم تر أن الله يزجى سحابًا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) ) [2] 0
(( هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال(12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال )) [3] 0
(( أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور ) ) [4] 0
(( الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله ) ) [5] 0
(( والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ) ) [6] 0
فى الآية الأولى يصف الله سبحانه وتعالى كيفية تكون السحاب التراكمى بمراحله المختلفة، وذلك في وقت لم يكن أحد قد صعد إلى الأجواء العليا ولا علم شيئا عن تراكم السحاب. وذلك أمر سنشير إليه مرة أخرى في حديثنا عن الإعجاز العلمى0
(1) سورة الحجر: 22 0
(2) سورة النور: 43
(3) سورة الرعد: 12،13
(4) سورة النور: 40
(5) سورة الروم: 48
(6) سورة فاطر: 9