وفى الآية الخامسة توجيه في الاتجاه نفسه- وهو وجوب شكر الله على نعمه وأفضاله- ولكنه يأخذ صورة مختلفة، فهو يصور استواء الناس على ما سخر الله لهم من أدوات الركوب، سواء كانت من الأنعام التى سخرها الله للسفر في البر، أو من السفن التى سخرها للسفر في البحر، مع تلقينهم صورة معينة لشكر الله على هذه النعمة بالذات، وهى أن يقولوا حين يستوون على ظهر الدابة أو على ظهر الفلك: (( سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين(13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون ))0 وبذلك يشكرون الله على النعمة، ويذكرون أنفسهم أنهم حيثما ذهبوا فهم في ملك الله، وفى سلطان الله، وأنهم في النهاية راجعون إلى الله0
وهى كما ترى أجواء مختلفة، وحالات مختلفة، يتم من خلالها توجيه القلب البشرى إلى الله0
وأما الماء النازل من السماء، فله كذلك مجالاته المختلفة، وتوجيهاته المختلفة0
(( وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضرًا نخرج منه حبًا متراكبًا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) ) [1] 0
(( وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) ) [2] 0
(( ألم ر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب ) ) [3]
(( هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون(10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون )) [4] 0
(( الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون(48) وإن كانوا من قبل ينزل عليه من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شئ قدير) [5] 0
ففى الآية الأولى، يذكر ظاهرة الإنبات التى تنشأ عن نزول الماء من السماء، ولكن السياق يحوى في داخله إشارات مختلفة، كلها يخدم الهدف الأخير من إيراد هذه الآيات كلها: (( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) )، أى أنها دعوة للإيمان الصحيح، الإيمان بالله وحده بلا شريك. وقد أشرنا إلى هذه الآية بالذات في الفصل السابق، في معرض الحديث عن التنويع، وذكرنا كيف يدل السياق على التنويع باللفظ المباشر، ثم بتنويع الأسلوب ذاته، ليعطى جو التنويع بالإيحاء، بالإضافة إلى الذكر الصريح .. ويلفت النظر هنا أن السياق لم يدخل إلى الوجدان من باب (( المصلحة ) )أى من باب (( الفوائد ) )التى يجنيها الإنسان من نزول المطر، ولكن من باب (( الجمال ) ).. (( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) ) [6] ! فقد خلق الله الكون جميلا، وخلق في الإنسان حاسة تتذوق الجمال وتعجب به. ومن خلال هذه الحاسة يوقظ الوجدان، ليتعرف على قدرة الله وعظمته، ليتوجه له بالعباة. فللجمال في الكون، وللإحساس به عند البشر هدف مقصود: أن يتعرف الناس على ربهم تعرفا شاملا يشمل كل الجوانب، ولا يغادر جانبا لا يلم به. فانظر إلى الإنسان المؤمن كيف يكون الجمال في الكون دعوة له لعبادة الله، والإنسان الجاهلى يتخذ الجمال فتنة فيعبده من دون الله! أو ينحرف به عن العبادة الحقه لله!
(1) سورة الأنعام: 99
(2) سورة الحجر: 22
(3) سورة الزمر: 21
(4) سورة النحل: 10،11
(5) سورة الروم: 48 -50 0
(6) سورة الأنعام: 99 0