(( والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون(12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [1] 0
فأنت في تلك النصوص كلها- وغيرها كثير- مع الفلك0 ولكنك معها في كل مرة في مشهد مختلف، له في كل مرة تأثير في النفس مختلف0 فأنت في الآية الأولى مع حقيقة من حقائق الألوهية وحقائق الوجود، وهى تسخير الله للفلك لتجرى في البحر بأمره0 وهى من الحقائق الكثيرة التى يغفل الحس عنها حين يغفل عن الدلالات الكامنة في كل شئ في الوجود0 فلو لا (( التسخير ) )من عند الله ما جرت الفلك في البحر مهما حاول البشر0 فهم لا ينشئون شيئا من عند أنفسهم، لا المادة التى تصنع منها الفلك، ولا (( القوانين ) ) (أو فلنقل السنن الربانية) التى جعلها تجرى في البحر0 ثم إنها في كل مرة تجرى (( بأمر الله ) )ولو لم يصدر الله لها الأمر ما جرت: (( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) ) [2] 0
وأنت في الآية الثانية مع سنة أخرى من سنن الله في الكون، وهى إجراء الريح التى تدفع الفلك في البحر فتجرى، وكان يمكن أن يجعل الله الريح ساكنة فلا تجرى الفلك0 والإشارة بالطبع هى إلى الفلك الشراعية التى كانت تعتمد على الريح0 ولقد يظن الإنسان في الجاهلية المعاصرة أنه قد تغلب على أمر الله، واستغنى عن الريح فلم يعد يعتمد عليها في تسيير السفن العملاقة التى تمخر العباب! ومثل هذا الإنسان- في جاهليته- يغغل عن أن تلك السفن تمخر العباب بسنة من سنن الله، علمها الله للإنسان، ولو لا أن الله علمها للإنسان، وسخر له الطاقة التى يعمل بها ما تم له شئ مما قام بعمله0 ومع ذلك، فآلآية الثانية تدركه وهو في أوج انتفاخه وغروره وقوله كما قال قارون من قبل: (( إنما أوتيته على علم عندى ) ) [3] 0 فتقول له أن الله قادر- إذا شاء- أن يهلك تلك السفن عقابا لأهلها00 وكم من سفينة جبارة ظن أهلها أنهم قادرون عليها، فأوبقها الله بقدرته0 ليفيئ الإنسان من غروره، ويعلم أنه يعمل كل شئ بتسخير من الله، لا بعلمه الذاتى، ولا بقدرة ذاتية غير مستمدة من عند الله0
وأنت في الآية الثالثة مع حالة من الحالات التى تعرض للإنسان في مجرى حياته حين يكون بعيدا عن الهدى الربانى0 فهو في ساعة الشدة وساعة الخطر يلجأ إلى الله، وينكشف الغطاء، ويوقن الإنسان ألا ملجأ من إلا إليه، فيتوجه إليه بالضراعة، واعدًا أنه إذا أنجاه الله من الكرب فسيكون من الشاكرين! فإذا قدر الله له النجاة فسرعان ما ينسى الخطر والشدة ويقول في غفلته: (( ذهب السيئات عنى ) )! [4] 0 فينسى وعده أو يتناساه، ويلج فيما كان غارقًا فيه من الغواية: (( إنه لفرح فخور ) ) [5] 00
وأنت في الآية الرابعة في معرض أنعم الله على الإنسان، التى ينساها الإنسان في غفلته، ويذكره القرآن بها ليشكر الله على نعمه0 ويأتى من بين هذه النعم جريان الفلك في البحر، وابتغاء الناس من فضله عن هذا الطريق0 إشارة إلى ما تقوم به السفن من حمل الأرزاق من مكان إلى مكان0
(1) سورة الزخرف: 12 - 14
(2) سورة القمر: 49
(3) سورة القصص: 78
(4) سورة هود: 10
(5) سورة هود: 10