الصفحة 29 من 104

فأنت مع الليل والنهار في جميع هذه الآيات - وكثير أمثالها - ولكنك في كل مرة في معرض غير الآخر وفى مشهد غير الآخر - ففى الاية الأولى أنت مع عملية متدرجة يدخل فيها الليل في النهار في رويدا رويدا، ويدخل النهار في الليل كذلك بالتدريج. ولكنك في الآية الثانية مع مشهد مختلف فالليل يغشى النهار ولكن في حركة تشبه السباق أو الملاحقة؛ فالليل يلاحق النهار ليدركه أو يسبقه، ولكنه يظل في طلبه في حركة دائبة لا تنتهى، وهذا يمثل دوران الليل والنهار على سطح الكرة الأرضية. بينما كان المشهد في الآية الأولى يمثل بقعة واحدة منها، في اللحظات التى يتداخل فيها الليل والنهار ثم تنتهى بدخول أحدهما في الآخر واختفاء الأول من المشهد. وفى الآية الثالثة مشهد مختلف تماما عن المشاهد الأخرى كلها التى يرد فيها ذكر الليل والنهار ثم تنتهى بدخول أحدهما في الآخر واختفاء الأول من المشهد. وفى الآية الثالثة مشهد مختلف تماما عن المشاهد الأخرى كلها التى يرد فيها ذكر الليل والنهار، يناسب جو الغضب الذى ينصب في السورة على الكافرين المعاندين، وهو مشهد (( سلخ ) )النهار من الليل، فإذا النور يختفى فجأة والليل يسوده الظلام [1] . أما الآية الرابعة فهى تخيل مشهدا غير موجود في الحقيقة وهو النهار السرمدى الذى لا يتلو ليل، والليل السرمدى الذى لا يتلوه نهار، والذى يعرض لبيان فضل الله ورحمته بالناس، الذى جعل الليل والنهار خلفة، يخلف أحدهما الآخر، فيتيح للناس فترة للعمل والنشاط، وفترة للسكون والراحة. ولولا ذلك لتحولت الحياة إلى عذاب دائم، سواء في الليل السرمدى الذى لا ضياء فيه، أو النهار السرمدى الذى لا سكن فيه. وأما الآية الخامسة فتعرض مشهدا مختلفا فالليل والنهار آيتان، ولكن آية الليل محيت! وهذا تصوير لكون الليل مظلما من ذات نفسه، إنما هو صار هكذا لأن الله الخالق (( محاه ) )، بينما جعل الله النهار مبصرا .. جعله .. فهو ليس منيرا من ذات نفسه، ولكن بجعل الله له على هذه الصورة. وفى ذلك تذكير بأن الأشياء كلها تأخذ وضعها الذى هى عليه بتقدير الله وتدبيره، وليس من ذات نفسها كما يبدو للإنسان حين يغفل عن الحقيقة الكبرى، وهى أن الله خالق كل شىء، ومعطى كل شىء هيئته التى هى عليه، لا بحتمية مادية، ولا بحتمية تاريخية كما يزعم التفسير المادى، وأن الهيئة التى عليها كل شىء ليست هى الصورة الوحيدة التى كان يمكن - نظريا - أن تكون عليها - نإنما هى الهيئة التى اختارها الله لها بحكمته ومشيئته وعلمه: (( .. ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ) ) [2] 0

أما الفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس، فهى كذلك ترد في مناسبات شتى، ولأهداف مختلفة:

(( وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره ) ) [3] 0

(( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام(32) أن يشاء يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره أن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا )) [4] 0

(( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين(22) فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق )) [5] 0

(( وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ) [6] 0

(1) راجع ما قلناه عن هذا المشهد في الفصل السابق0

(2) سورة طه: 50 0

(3) سورة إبراهيم: 32 0

(4) سورة الشورى: 32 - 34

(5) سورة يونس: 22، 23

(6) سورة النحل: 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت