(( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) ) [1] 0
ولا تقتصر قدرة الله على إحياء الأرض بالماء فحسب، وهى في ذاتها قدرة معجزة، ولكن الله القادر، الرزاق الوهاب، يبث في تلك الأرض بعد إحيائها ألوانا شتى من الدواب، تأتى لتأكل ما أنبتت الأرض، ويتضاعف بها الرزق للإنسان، فالماء رزق، والنبات رزق والدواب التى تأكل النبات رزق. كله من خلق الله، وكله فضل يتفضل الله به على العباد .. أفيحق للإنسان بعد ذلك أن يعبد من دون الله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يضر ولا ينفع؟
وتستمر الآية تعرض معجزات القدرة معجزات الخلق 00
(( وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) )
إن الرياح آية من آيات الله .. إنها لا تتحرك من ذات نفسها! إنما الله هو الذى (( يصرفها ) ).. هو الذى يحدد لها وجهتها ومسارها00
وقد عرفت الجاهلية المعاصرة (( القوانين ) )التى تحكم حركة الرياح، ولكنها غفلت عن خالق الرياح، وخالق تلك (( القوانين ) )التى تسيرها .. ومع ذلك فالرياح لا تسير دائما حسب ما يتخيلون من حركتها بحسب تلك القوانين، فهى تفاجئهم بين الحين والحين مفاجآت لا تعليل لها عندهم .. ولا تعليل لها في الحقيقة إلا مشيئة الله!
والسحاب كذلك من آيات الله .. سواء تعليقه بين السماء والأرض، أو (( تسخيره ) )ليقوم بالمهام التى خلقها الله من أجله0
وفى آية واحدة من سورة واحدة يتم هذا الحشد الهائل من الإيقاعات التى يتلقها القلب البشرى فلا يملك ألا يتأثر بها، ولا يملك - في حالته السوية - ألا يستجيب0
وكلها مشاهد يراها الإنسان على الدوام معروضة أمامه، ولكنه في أحواله العادية قد لا يفكر فيها ولا يتدبرها، أو قد ينسبها في غفلته - كما تصنع الجاهلية المعاصرة - إلى (( الطبيعة ) )! فلا تؤدى في حسه ما ينبغى أن تؤديه من إيقاظ الفطرة إلى حقائق الوجود، وبالذات إلى الحقيقة الكبرى في هذا الوجود: حقيقة الألوهية، وحقيقة القدرة المعجزة التى أوجدت هذا الكون كله، وأجرت فيه ما أجرت من أحداث وأمور0
ولكن السياق القرآنى يزيل هذه الغفلة بأكثر من وسيلة0
فهو بادئ ذى بدء يرد الأمور كلها، ويرد الخلق كله، إلى مصدره الحقيقى، إلى الله الذى خلق كل شىء، ويدبر كل شىء .. إلى الله الذى لا إله غيره: (( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) ) [2] 0
ثم هو يبث الحركة في المشاهد التى يعرضها، فلا تصل إلى الحس ساكنة خامدة، كالمعلومات الذهنية التى تسكن في الذهن ولا تحرك الوجدان. إنما تصل في تتابع حى متحرك، يجعل الخيال يتابع حركتها واحدة إثر الأخرى، حتى ينتهى عرض الشريط بالكامل، والخيال هو الرسول إلى الوجدان، يحركه من مكمنه، فينفعل بالحدث أو المشهد، فيصبح الحدث أو المشهد جزءا من محتوى النفس، يؤثر فيها من داخلها، وليس شيئا خارجا عنها تملك ألا تلتفت إليه أو تنصرف عنه!
ثم يأتى الإعجاز البيانى فيشارك في التأثير، حين يرسم بالألفاظ لوحة كاملة، حية متحركة، بتملاها الخيال وينفعل بها الوجدان، كأنما هى صور متحركة لا مجرد ألفاظ0
وتتواكب التأثيرات كلها لتؤدى الهدف المطلوب، وهو إيقاظ القلب الغافل ليتوجه إلى الله00
ولكن التأثير عرضة لأن يخفت بعد حين، وتبرد حرارته في الحس، نتيجة اشنغال الإنسان في حياته الدنيا بأمور كثيرة تتعلق بحياته على الأرض، سواء كانت بحثا عن الرزق في مناكب الأرض، أو (( استمتاعا ) )ن بشىء من متاع الحياة الدنيا: (( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا00 ) ) [3]
(1) سورة الحج: 5
(2) سورة البقرة: 163 0
(3) سورة آل عمران: 14