الصفحة 25 من 104

ولئن كانت الحقيقة الأولى تنفذ إلى النفوس الواعية من أحد منافذها الكبرى، وهى الضخامة المعجزة في هذا الكون وما يدل عليه ذلك من عظمة الخالق، الذى يخلق تلك الأجرام الهائلة المبثوثة في السموات، فإن الحقيقة الثانية - وهى اختلاف الليل والنهار - لتنفذ إلى النفوس الواعية من منفذين في آن واحد: منفذ الحركة - حركة الأحداث في هذا الكون - ومنفذ الدقة المعجزة في خلق الكون. فإن انتظام الأفلاك، الذى ينشأ منه تعاقب الليل والنهار له دلالته الخاصة، المضافة إلى القدرة على الخلق، وهى القدرة على التنظيم الدقيق لهذا الكون، بحيث لا يختل مرة، فيكون فيه نهار بلا ليل، أو ليل بلا نهار. وتلك دلالة أخرى على عظمة الخالق وأنه متفرد بهذه العظمة لا يشاركه فيها أحد في الوجود كله0

وتمضى الآية تعدد آيات القدرة الربانية 00

(( والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس .. ) )0

إن الفلك التى تجرى في البحر هى من صنع البشر في ظاهر الأمر. ولكنها ما كانت لتوجد لولا الخواص التى أودعها الله في الماء من ناحية، وفى المواد التى تصنع منها الفلك من ناحية أخرى، والتى تتجعل الفلك محمولة على الماء لا تغوص فيه. ولذلك يمن الله على البشر في موضع آخر (فى سورة يس) فيقول: (( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون(41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون )) [1] 00 فالإنسان - وكل ما يعمل - هو من خلق الله من ناحية، وكذلك فإن الخواص المودعة في المادة، والتى تجعل في إمكان البشر أن يصنعوا الفلك التى تجرى في البحر، هى من خلق الله، ولولا خلق الله لها ما استطاع الإنسان أن يصنعها0

والآية لا تشير فقط إلى جريان الفلك في البحر، الذى ينفذ إلى النفس من منفذ الحركة - وهى من الأمور التى تلفت الحس البشرى بشدة وتوقظه من غفلته - ولكنها تنفذ من منفذ آخر هو (( المصلحة ) )! فإنها تجرى في البحر بما ينفع الناس. وهذا يذكرهم بفضل الله عليهم. فالأشياء التى تنفع الناس هى من خلق الله، وحملها في الفلك حتى تصل إلى الناس هو كذلك من خلق الله. فهو فضل مزدوج يستحق من العباد أن يشكروا ربهم عليه، لا أن يجحدوه ويعبدوا سواه0

ونقلة أخرى تنقلنا إلى مشهد آخر0

(( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) )

إنها إشارات متواكبة متوالية تقرع الحس بشدة لتلفته إلى ما كان غافلا نه 00

فإنزال الماء من السماء آية، وإحياء الأرض الميتة بهذا الماء آية، وبث الدواب في الأرض بعد إحيائها بالماء آية 00 وكلها آيات تنفذ إلى النفس من منافذ شتى في آن واحد. من منفذ الدقة المعجزة في الكون، ومن منفذ الحركة المتدفقة، بالإضافة إلى القدرة على الخلق، فتتواكب الآيات لتهز الوجدان، وتنفض عنه غفلته إن كان من الغافلين00

وحين يتبلد الحس فإنه يرى المشاهد كلها يمر عليها في بلادة كأنها غير موجودة .. أما حين يعرضها النص القرآنى على هذه الصورة، فهل يملك الحس أن يفلت من تأثيرها أو يتجاهلها، إلا أن يكون حسا مغلقا في قلب مريض؟!

فالمطر لا ينزل من تلقاء نفسه! إنما هو مخلوق من مخلوقات الله يخضع لأمره، ويسير حسب سننه، ولو شاء الله لجعله على صورة أخرى فلا يملك البشر أن ينتفعوا به:

(( أفرأيتم الماء الذى تشربون(68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون )) [2] 0

وإحياء الأرض الميتة بالماء لا يحدث من تلقاء نفسه! فلولا خاصية أودعها الله في الماء، وخاصية أودعها في الأرض، ما أنبتت حين ينزل عليها الماء:

(1) سورة يس: 41، 42

(2) سورة الواقعة: 68 - 70 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت