(( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ) [1] 0
فيأتى القرآن ليوقظ القلوب، ويفتح الأعين، ويزيل الوقر من الآذان، فتتفتح جميعا للإيقاعات التى يرسلها الكون إلى الحس0 فتحيا النفوس بعد موات، وتستيقظ بعد الغفلة00 وتتوجه إلى الله0
(( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم(163) إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون )) [2] 0
لوحة عريضة واسعة حافلة بالحيوية والحركة، والإيحاءات والدلالات00
إنها مشاهد معروضة أمام الحس البشرى، ولكن الحس يتبلد أحيانا فيغفل عما فيها من الإيحاءات والدلالات، ويمر بها لا يكاد يعيرها اهتماما. ولكن القرآن يحي المشهد بأسلوبه الفريد، فينتفض حيا متحركا، فيلتقط الوجدان ما يرسله من الإشارات0
إن السموات والأرض المذكورة في الآية ليست هى ذلك المشهد المكرور المألوف الذى كان يراه الإنسان فلا يتحرك له، ولا يهتز له وجدانه، فيغفل عن الحقيقة الكبرى الكامنة فيه، وهى أن السموات والأرض مخلوقتان، وأن الله هو الخالق!
إن الحس المتبلد يراهما موجودتين دائمًا أمامه، فيغفل وينسى!
ولكن السياق القرآنى يوقظه من أول لفظة إلى الحقيقة المنسية 00
(( إن في خلق السموات والأرض .. ) )فهما ليستا موجودتين من ذات نفسيهما، ولا هما أزليتان. إنما هما مخلوقتان، أى أنهما لم تكونا موجودتين ثم وجدتا ..
وهى حقيقة هائلة، تترتب عليها - أو يجب أن تترتب عليها - حقائق أخرى0
فأما الجاهلية العربية فقد كانت تقر أن الله هو الذى خلق السموات والأرض:
(( ولئن سألتهم من خلق السموات ليقولن الله ) ) [3] . ولكنها لم تكن ترتب على هذه الحقيقة مقتضاها الطبيعى المباشر، وهى أن الإله الذى خلق هو الحقيق بالعبادة وحده بلا شريك0
وأما الجاهلية المعاصرة - وهى أذكى من الجاهلية العربية من ناحية، وأغبى منها من ناحية أخرى - فقد أدركت أن هذه القضية ذات شأن كبير، وأنها إحدى قضايا الوجود الرئيسة. وأدركت أنها إن أقرت بأن الله هو الذى خلق السموات والأرض فقد لزمها أن تعبده، وتخلص له العبادة، وهى لا تريد - كبرا وعنادا وغطرسة وانطماس بصيرة - فنفت أن الله هو الخالق، وراحت تتخبط على غير هدى. تقول مرة إن الكون قد وجد من ذات نفسه بغير موجد، وتارة أخرى تردد قولة دارون الحمقاء: الطبيعة تخلق كل شىء ولا حد لقدرتها على الخلق!
كلتاهما جاهلية! وكلتاهما في حاجة إلى هداية الله!
ونعود إلى الآية القرآنية نستلهمها إشاراتها الدافقة، وحقائقها ذات الدلالة00
إن خلق السموات والأرض قد نشأت عنه حركة معينة في هذا الكون، هى اختلاف الليل والنهار 00
(1) سورة الأعراف: 179 0
(2) سورة البقرة: 163، 164 0
(3) سورة لقمان: 25 0