والمفارقة بين العجز البشرى والقدرة التى لا تحدها حدود، مما يروع الحس البشرى .. فالإنسان يتطلع إلى القوة والسيطرة والتملك، ويحصل من ذلك ما يقدر عليه، ولكنه في دخيلة نفسه لا يشبع ولا يقنع، ويتمنى لو أن له سيطرة على كل شىء، يسيره على هواه، وقوة لا تعجز عن شىء، وملك لا يبلى .. ثم يجد نفسه عاجزًا مهما سيطر، ومهما ملك، ومهما استخدام من أسباب القوة. وأشد ما يعجز عنه هو الخلق، ثم يتدرج العجز درجات!
وهذا العجز يفرض على حسه تلك المقارنة الفطرية بين ما يقدر عليه وبين القدرة القادرة التى تخلق، وتنشئ، وتسير وتدبر، ولا يعجزها شىء. ثم يهتدى فيعلم أنها قدرة الله، أو يضل فيتخيل آلهة لا وجود لها ينسب إليها ما يراه من أحداث0
وقضية الغيب مما يعرض للحس البشرى فيوقظه من غفلته إن كان من الغافلين. فالإنسان شديد التطلع إلى معرفة الغيب. يريد أن يطمئن على ما يكون من أمره في الغد القريب والغد البعيد. هل يعيش طويلا أم يخترمه الموت؟ هل سيكون سعيدا في مستقبل حياته أم تعتوره الأزمات والآفات فتنغص عليه عيشه؟ هل يكون غنيا أم فقيرا؟ هل يتزوج أم لا يتزوج؟ هل يكون له ولد أم لا يكون؟ هل يحصل على مكانة عالية في الأرض أم يكون هملا لا وزن له؟
ويؤلمه أنه لا يستطيع أن يستكنه الغيب .. لا الغيب البعيد الموغل في المجهول، بل الغيب القريب الذى يكون غدا أو بعد ساعات .. بل غيب اللحظة المقبلة عليه الآن، والتى لا يعرف كنهها وكنه ما يجرى فهيا حتى تقع بالفعل0
ويجره عجزه عن استكناه الغيب إلى مقارنة فطرية مع القوة التى تعلم الغيب، لأنه مكشوف لها غير خاف عليها منه شىء. بل التى تعلم الغيب لأنها هى التى تصنع الغيب00
ثم يهتدى، فيعلم أنه الله، عالم الغيب والشهادة، أو ينسبه لآلهة مزعومة أو يغمض عينيه ويغلق حسه ويعيش كالأنعام!
تلك مفاتيح فطرية 00 أودعها الله في الفطرة لتتعرف على الله 00
وقد نظن أحيانًا أن هذه الأسئلة الفطرية التى تفرض نفسها على الحس البشرى، لا تجئ إلا في فترة النضوج والوعى، ولكن الحقيقة غير ذلك 0
إن الطفل الصغير تبدأ هذه الأمور تخطر على حسه في مراحل مبكرة جدًا، أكثر تبكيرًا مما نحسب!
إنه في فترة باكرة، منذ بداية الوعى، يظل يسأل والديه ومن حوله أسئلة ذات دلالة واضحة، حين يسألهم عن أمور لا إجابة لها في الحقيقة إلا إجابة واحدة: إنه الله 0 وإنه صنع الله!
حين يسأل: لماذا تطلع الشمس بالنهار ولا تطلع بالليل؟
لماذا يكون ورق الشجر أخضر؟
لماذا لا يكبر هو بسرعة فيصبح كأبيه في الطول؟
لماذا كان ريش هذا الطائر ملونا والآخر غير ملون؟
كيف ينزل المطر من السماء؟
كيف ينبت الزرع؟
وعشرات من الأسئلة ومئات، يضيق بها الأبوان أحيانا، ويعجزان عن إعطاء إجابة تقنع ذلك الصغير الذى لا يكف عن السؤال، بينما مداركه لا تستوعب الجواب!
إنه بدء تيقظ الفطرة لتبحث عن الله!
وقد لا يدرك الطفل دلالة أسئلته .. لكنا نحن ينبغى أن ندرك أنها أسئلة الفطرة، التى تتوجه بها - فطريا - للتعرف على الله 0
ولكن الحس البشرى عرضة أن يتبلد على المنظر المكرور، والحدث المكرور، فلا تعود إيقاعات الكون تجد استجابتها الفطرية في النفس00
لا الكون بضخامته المعجزة، ودقته المعجزة، ولا ظاهرة الموت الحياة، ولا ظاهرة الحركة: حركة الأشياء والأحداث، ولا ظاهرة العجز البشرى، ولا ظاهرة العجز عن استكناه الغيب00
عندئذ يفقد الإنسان شفافيته التى خلقها الله في كيانه، ويفقد بالتالى سمته التى جعلته إنسانا، وميزته عن الحيوان، فيصبح من الذين جاء فيهم هذا الوصف القرآنى: