الكون بضخامته المعجزة يروع الحس البشرى، فيروح يتأمل في هذه الضخامة التى يعجز عن الإحاطة بها، فيرد على الخاطر سؤال فطرى لا يملك الإنسان دفعه: من خالق هذا الكون؟ فيهتدى إن كتب له الهدى، فيعلم أن الله هو الخالق، أو يضل فيتصورها إلها أخر أو ألهة أخرى غير الله ينسب لها الخلق. ولكنه - حتى في ضلاله - لا يتصور أن الكون يمكن أن يوجد بغير خالق (ودع عنك ضلالات الجاهلية المعاصرة التى ألحدت نتيجة ظروف خاصة في أوربا غير مسبوقة في البشرية. وحتى هذه لم تستطع أن تتهرب من هذا السؤال الفطرى، فنسبت الخلق إلى(( الطبيعة! ) )التى قال عنها دارون إنها تخلق كل شىء ولا حد لقدرتها على الخلق! فابتدع إلها خالقا - غير الله - وأضفت عليه بعض صفات الله سبحانه وتعالى كالخلق والتدبير، ولكن كانت أهم صفة في هذا الإله المزعوم أنه ليست له كنيسة تضطهد النسا، وتطاردهم في يقظتهم ومنامهم! وتلك كانت عقدة الجاهلية المعاصرة التى أدت بها إلى الإلحاد!) [1] 0
والكون بدقته المعجزة يروع الحس البشرى كذلك. فهذا الكون ليس ضخما فقط، ولست صخامته التى تتجاوز كل تصور هى وحدها التى تروع الحس، ولكن يروعه كذلك أنه مع ضخامته تلك دقيق إلى درجة معجزة0
وتتبدى الدقة المعجزة في مجالات عدة. فانتظام دورة الفلك، وانتظام الليل والنهار، من دلائل تلك الدقة التى تروع الحس0
وتوزيع الكائنات الحية على سطح الأرض من دلائل الإعجاز0
وتصريف الرياح، وحركة السحاب 00
واختلاف الألوان في الكائنات، سواء الكائنات الحية أو الجوامد 00
بل يدق الأمر أحيانًا حتى يتبدى الإعجاز في ريشة الطائر، ولون الزهرة، ورفرفة الطير، وسقسقة العصفور، فضلا عن أطوار الجنين، واختلاف طبائع البشر، واختلاف مشاعرهم ومشاغلهم وطرائق حياتهم00
دقة تروح الحس .. فيرد على الخاطر سؤال فطرى، لا يملك الإنسان دفعه: من وراء هذه الدقة المعجزة؟ من وراء هذا التنوع العجيب في الكائنات؟ من يدبر دقائق الكون ودقائق الحياة؟
ثم يهتدى الإنسان إن كتب له الهدى، فيعلم أنه الله، أو يضل فينسب الأمر إلى آلهة مزعومة، أو يغفل عن إيقاعات الكون غفلة تامة فكأنه في حسه غير موجود00
وظاهرة الموت والحياة مما يروع الحس البشرى00
يتوهم الطفل الصغير في مبدأ حياته أن الكائنات كلها حية، ويتعامل معها على هذا الأساس! حتى يكبر وعيه، فيعلم أن هناك جوامد وهناك كائنات حية، ثم يعلم أن الكائنات الحية تموت .. ويترك الموت في حسه أثرا لا يمحى، بل يزداد تعمقا مع الأيام .. فيرد على خاطره سؤال فطرى لا يملك دفعه: من وراء هذه الظاهرة الهائلة: ظاهرة الموت والحياة .. ثم يهتدى إن كتب له الهدى، أو يضل فيقول إنه الدهر أو غيره من قوى الوجود0
والحركة في الكون مما يروع الحس البشرى. سواء حركة الأجرام في السماء، أو حركة البشر على الأرض، وما يحدث لهم من تحولات في أثناء حياتهم، من قوة وضعف، وفقر وغنى، وعز وذل، وصحة ومرض، وحياة وموت .. فيرد على الخاطر سؤال فطرى لا يملك الإنسان دفعه: من المحرك وراء الأشياء والأحداث؟ .. أتحدث من تلقاء نفسها أم تحدث بتدبير؟ ومن وراء التدبير؟ وهل تحكمها سنن وضوابط، أم تجرى فوضى بلا نظام؟ وهل وراءها حكمة أم هى عبث لا حكمة فيه؟ ثم يهتدى الإنسان إن كتب له الهدى، فيعلم أنه الله، ومشيئته، وسننه، ونظامه وتدبيره، أو يضل فينسب الأمر إلى آلهة مزعومة، أو يظنها فوضى لا يشملها نظام0
(1) انظر - إن شئت - حديثا مفصلا عن هذه القضية في كتاب (( مذاهب فكرية معاصرة ) )0