هذا الوهم الضخم الذى يحيط بالإنسان فيغفل وينسى 00
يغفل عن حقائق الكون والحياة، فينسى الخالق الذى خلق، الذى أوجد كل شىء بقدرته، بحوله وطوله، بقدرته وقوته، بعقله وعلمه، بفكره وإرادته، عن الله الذى خلقه فسواه فعدله، في أى صورة ما شاء ركبه 00
وحين ينسى فإنه يطغى 00
يطغى، فيتمرد على الخالق الذى خلقه، فلا يعبده حق عبادته، ويعبد سواه ..
ويظن أنه حر يفعل ما يشاء .. يفعل ما يميليه عليه هواه .. فمنذا الذى يحاسبه على ما يفعل؟!
كلا!
(( إن إلى ربك الرجعى ) ) [1] !
ليس متروكا لهواه .. ليس متروكا يفعل ما يشاء بلا حساب ولا عقاب00
إنه راجع إلى ربه يحاسبه على ما جنت يداه 00
وتلك المعانى كلها كانت في تلك الإقراءة الأولى، التى افتتح بها الوحى الربانى، والتى غيرت القلوب، فجعلت البذرة تنمو نموها السوى، فتنبت الإيمان00
وتتوالى الآيات 00 تتوالى تعرف الناس بربهم، بما يعزفون وما لا يعزفون00
فأما ما يعزفون - كحقيقة أن الله هو الخالق، وهى الحقيقة الكبرى التى ركز عليها القرآن في تعريف الناس بربهم - فطريقة القرآن فيها، كما أشرنا في المثال السابق، هى إزالة الركام الذى طمرها فجعلها لا تؤدى مقتضاها الطبيعى، وهو عبادة الله وحده بلا شريك، واحياؤها في طريقة عرضها، وربطها بالقدرة الإلهية بالطريقة التى تهز الوجدان فينفعل بها، فيتفتح للإيمان بالله0
وأما ما لا يعرفون - أو ما ينكرون - كالبعث والنشور، والوحى والرسالة، فيضاف إلى معلوماتهم بالطريقة ذاتها التى تجعل الوجدان ينفعل فيتأثر، فيستجيب لداعى الإيمان0
وهنا يأتى دور الإعجاز البيانى، فيؤدى مهمته في هذا المجال0
فطريقة العرض أولا هى التى تحي المشاهد، فتزيل عنها ما يصيبها في نفوس الناس من تبلد الحس عليها بسبب الألفة الطويلة، فإذا هى السياق القرآنى شىء أخر غير ما تبلد الحس عليه، جديد حى متحرك0
والتنويع كذلك يؤدى دوره. فالنفوس التى كانت منكرة أو كانت غافلة، كانت في حاجة إلى تكرار القضايا مرات ومرات حتى تزول الغفلة ويذوب الإنكار وتكرار الشىء ذاته بنفس الألفاظ ونفس الصورة يبعث السأم في النفوس. ولكن التنويع في العرض له من الجاذبية ما ينفى السآمة، بل يجدد الرغبة، ويجدد الانتباه، ويجدد التأثير. وهكذا، فالقرآن كما جاء في وصفه: (( لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد ) )فهو متجدد أبدا في النفوس، يعرض الأمور في كل مرة كأنها جديدة تعرض لأول مرة0
وهذا الذى أشرنا إليه آنفا: أن الإعجاز البيانى في القرآن هدف مقصود في ذاته، وهو في الوقت ذاته وسيلة لأهداف أخر 0
ويدخل القرآن إلى النفوس في قضايا العقيدة من كل منافذها وأقطارها، فلا يترك منفذا لا ينفذ منه، ولا يترك مدخلا لا يطرقه ليوصل العقيدة الصحيحة إلى القلوب0
وإذا كانت الوسيلة العظمى - كما أشرنا آنفا - هى تعريف الناس بربهم، ليعبدوه وحده بلا شريك، حين يدركون تفرده سبحانه بالألوهية، وعجز الآلهة المزعومة عن ا لقيام بشىء مما يقدر الله عليه، ففى النفس البشرية منافذ فطرية، أودعها الله في الفطرة لتتعرف على خالقها، وتتوجه إليه بالعبادة، ومن هذه المنافذ بالذات - المودعة في الفطرة - ينفذ القرآن إلى النفوس، فيوقظها من غفلتها، فتنبعث متوجهة إلى الله. ولا عجب في ذلك، فالله هو خالق الفطرة، وهو منزل القرآن ليلتقى بالفطرة التقاء كاملا شاملا مفصلا دقيقا، فيلتقيان على تعارف كامل وتوافق واتساق!
(( فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ) [2] 0
(1) سورة العلق: 8
(2) سورة الروم: 30 0