وكانت الأداة الكبرى في كل ذلك هى تعريف الناس بحقيقة الألوهية، وبتفرد الله سبحانه وتعالى بالخلق والرزق والإنشاء والهيمنة والتدبير، وانتفاء هذه الصفات كلها عن الآلهة المزعومة التى يتمسكون بها، بحيث يتبين عجزها وهزالها، فتسقط ألوهيتها المزعومة، ويسقط بالتالى استحقاقها للعبادة مع الله أو من دونه00
وكان الأمر في حاجة إلى مواجهة طويلة عميقة شاملة دقيقة، حتى تنجاب الصلادة التى تحجب الحق عن القلوب، فتهتدى تلك القلوب الضالة إلى الحق، وتدخل في دين الله0
إذا تأملنا سورة العلق - أول سورة أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نتبين كيف بدأ التعريف بالله سبحانه وتعالى: (( اقرأ باسم ربك الذى خلق(1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذى علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم )) [1] ، بدأ بذات المعلومات التى كانت معلومة عند العرب من قبل، ولكن بإضافة جديدة تجعلها حية وفاعلة0
فأما أن الله هو الخالق الذى خلق السموات والأرض وخلق الإنسان فقد كان حقيقة مسلمة عندهم لا ينكرونها ولا يجادلون فيها، كما سجل القرآن عليهم في قوله تعالى: (( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ) [2] . (( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ) [3] . وكونه خلق الإنسان من علق، أو من نطفة، أو من منى يمنى، فقد كان معلوما عندهم كذلك، فقد سجل القرآن عليهم ذلك في قوله تعالى: (( كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ) ) [4] . (( ولقد علمتم النشأة الأولى ) ) [5] .
ولكن هذه المعلومات كانت بالنسبة لهم كالبذرة الميتة لا تنبت، لا لأن من شأنها ألا تنبت، ولكن لأن تربتها - وهى القلوب- جفت وقست، وران عليها ما طمر البذرة فقتلها، ولقد كانت قمينة لو القلوب سليمة والنفوس صحيحة أن يكون لها مقتضى في مجرى حياتهم00
فالآن يأتى القرآن فيرفع الران الذى طمر البذرة فمنعها من الإنبات، ويضع بذرة جديدة من ذات النوع، ولكن في تربة جديدة مهيأة للإنبات00
(( اقرأ ) )00
اقرأ الدلالة الكامنة في هذه الحقيقة الكبرى، وهى أن الله هو الخالق، وأنه خلق الإنسان من علق00
إنها حقيقة هائلة حين يتدبرها الإنسان بقلب واع وفكر متفتح .. معجزة الخلق .. خلق السموات والأرض من العدم .. وخلق الإنسان من نطفة إذا تمنى ..
إذا كنت لم تقرأ هذه الدلالة من قبل فاقرأها الآن على صوت هذا النداء: (( اقرأ ) )!
اقرأها جيدا .. اقرأها مليا .. تتضح لك دلالتها 00
دلالتها أنه إله واحد هو الذى ينبغى أن يعبد، وليس سواه .. الإله الذى خلق .. خلق السماوات والأرض من العدم، وخلق الإنسان من علق 00
فإذا فرغت من قراءة تلك الحقيقة الهائلة، واتضحت لك دلالتها، فاقرأ حقيقة أخرى، قمينة بأن تملأ قلبك بالحب والود والتعظيم لذلك الإله الخالق .. إنه ربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم 0
حقيقة أخرى هائلة .. فالطفل يخرج إلى الحياة بلا علم ولا معرفة ولا إدراك .. ثم يتعلم .. كيف يتعلم؟ لو لم يكن الله قد أودع فيه القدرة على التعلم فهل كان يمكن أن يتعلم؟! إن القلم هو أداة التعليم .. نعم! ولكن ضع القلم عند كائن لم يوهب القدرة على التعلم، فهل يعلمه القلم، أم الذى يعلمه هو الذى خلقه، وخلق فيه القدرة على التعلم؟
أى إكرام من ربه الأكرم، الذى خلقه على هذا النحو، وفضله - بمزيته تلك - على كثير ممن خلق! ما الذى يجعل القلب البشرى يغفل عن تلك الدلالة الهائلة فلا يقرؤها؟!
إنه الران الذى يطمس البصيرة، ويحجب النور!
(( كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى )) [6] !
(1) سورة العلق 1 - 5 0
(2) سورة الزمر: 38 0
(3) سورة الزخرف: 87 0
(4) سورة المعارج: 39 0
(5) سورة الواقعة: 62 0
(6) سورة العلق: 6،7