الصفحة 99 من 105

والطاغوت متعلق بالجذور الثلاثة الكبرى: إما الاعتقاد، وإما العبادة، وإما التشريع .. فإن لم يتبين الناس جيدًا نواقض لا إله إلا الله في هذه المجالات الثلاثة الكبرى، فلن يكفروا بالطاغوت كما أمر الله، ولن يخلصوا دينهم لله كما أمر الله ..

فهل وصل البيان إلى غايته في هذه القضية، وما زال دعاة -ولا نقول"الجماهير"- يترددون في كثير من القضايا المتعلقة بها، والمترتبة عليها، سواء بتأثير الفكر الإرجائي، أو بتأثير الفكر الصوفي، أو بتأثير الفكر العلماني؟!

وإذا كان البيان هو الواجب الأول للصحوة الإسلامية، فإن البيان وحده لا يكفي ..

نعم .. إنه بغير البيان لا يتم شيء .. وقد كانت المهمة الأولى للأنبياء جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم هي البيان والبلاغ:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [1] .

( ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [2] .

ولكن مهمة الأنبياء لم تقتصر على البيان الشفوي، أو التبليغي -وحده، لأن الله يعلم أن المعرفة الذهنية وحدها لا تصنع شيئًا في واقع الناس، إن ظلت قابعة في أذهانهم في صورة"معلومات"، مهما كانت هذه المعلومات قوية وعميقة وباهرة، إن لم تتحرك من الأذهان إلى القلوب فتصبح وجدانًا حيًا يملأ القلب، ثم تنتقل من القلوب إلى الجوارح فتصبح سلوكًا عمليًا في واقع الأرض ..

وتلك حقيقة الإيمان: اعتقاد ووجدان وعمل ..

وهذه الحركة البناءة، التي تنقل المعلومات من الذهن إلى القلب، ثم تحولها سلوكًا واقعيًا، لا تتم بالبيان الشفوي -أو التبليغي- إنما تحتاج إلى نوع آخر من البيان يقوم به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ويقوم به الدعاة من بعدهم، هو التربية.

وليس هنا مجال بيان المنهج التربوي الذي ربى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته رضوان الله عليهم، ولا المنهج الذي يجب أن يتخذه الدعاة اليوم في التربية .. فهذا مجال متخصص [3] ..

ولكننا نقول في هذه العجالة أولًا: إنه لا بد من قدوة؛ فإن التربية لا تتم بغير قدوة .. وقد كان رسول -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة لصحابته رضوان الله عليهم، وللأمة بأكملها:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [4] .

وقد كمّله الله سبحانه وتعالى بكل الصفات البشرية التي جعلته أعظم مربٍّ في التاريخ، ولكن الأسوة فيه -صلى الله عليه وسلم-، هي بما يستطاع في حدود طاقة البشر: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [5] ولكن حدها الأدنى هو الحد الأدنى من مقتضيات لا إله إلا الله!

ثم إن التربية -في أول حركة البناء- لا يمكن أن تتم على النطاق الواسع -نطاق"الجماهير"- دفعة واحدة .. إنما يتم أولًا تربية"القاعدة".. القاعدة الصلبة التي تحمل البناء، ثم تكون هذه القاعدة ذاتها هي القدوة التي تتربى عن طريقها بقية الناس. لذلك يلزم في بناء هذه القاعدة أن تكون على مستوى عالٍ يصلح للقدوة، ولا يكفي أن تكون على المستوى العادي، لأن مهمتها ليست محصورة في ذاتها، أي لا يكفي أن تتربى لتستقيم في ذات نفسها، ولكن تتربى؛ لتربي غيرها، فيجب أن تكون ذات خصائص فائقة تصلح للقدوة وتصلح للتأثير ..

تلك إشارة سريعة للمهمة التي تواجه الصحوة .. البيان والتربية ..

(1) إبراهيم: 4.

(2) النحل: 44.

(3) في النية إخراج بحث بعنوان"كيف ندعو الناس"أدعو الله أن يوفقني لإخراجه.

(4) الأحزاب: 21.

(5) البقرة: 286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت