يقولون ضعف القوة العسكرية، (أو التخلف الحربي) .. يقولون ضعف الاقتصاد، (أو التخلف الاقتصادي) -يقولون التخلف العلمي .. يقولون التخلف الحضاري .. يقولون التخلف الأخلاقي .. يقولون .. يقولون، أو ليست مقتضيات لا إله إلا الله التي بيناها من قبل شاملة لهذه الجوانب كلها، سواء كانت فروض عين، أو فروض كفاية؟!
أما الانهيار الأخير للأمة فقد كان السبب فيه هو الركام الذي تراكم خلال القرون، فغشّى على مقتضيات لا إله إلا الله، وشمل فيما شمل الجذور الثلاثة الكبرى: المقتضى الإيماني، والمقتضى التعبدي، والمقتضى التشريعي .. فتهاوت الشجرة، وكادت أن تجتث من فوق الأرض لولا لطف الله ..
لطف الله يتمثل في الصحوة التي بدأت ترد الأمة لحقيقة لا إله إلا الله ..
هنالك كان المرض .. وهنا يكون بإذن الله الشفاء ..
ولكن الصحوة كما قلنا تواجه حملًا ثقيلًا ينبغي لها أن تدرك ثقله، كما ينبغي لها أن تدرك مدى الجهد اللازم لمواجهته ..
إنه ليس مقتضى واحدًا وقع العجز فيه فتسهل معالجته .. وليس عند طائفة قليلة من الأمة فيسهل عليها أن تتحرك دون أن تعوق حركتها الفئة القليلة ..
إنه عجز شامل، وفساد كبير .. فساد في التصور وفساد في السلوك ..
إن الصحوة ليست بصدد"حركة إصلاحية"في جانب واحد من جوانب الحياة، أو بضعة جوانب بعينها .. إنما هي بصدد إعادة البناء ..
وقد كانت إقامة البناء أول مرة جهدًا شاقًا بذله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبذله صحابته الكرام رضوان الله عليهم معه، أما إعادة البناء .. فما أدري .. فقد تكون مهمة أشق، فقد قال رسول -صلى الله عليه وسلم- لصحابته رضوان الله عليهم:"إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم". قالوا: يا نبي الله! أوْ منهم؟! قال:"بل منكم" [1] .
وأيا كان الجهد، وأيا كانت المشقة، فقد قامت الصحوة بفضل الله ورحمته، وهي ماضية في سبيلها حتى تحقق بإذن الله أهدافها، وتحقق موعود الله بالنصر والتمكين لأمته مرة أخرى ..
ولكن عليها أن تدرك مهمتها على وجه الدقة، لتقوم بها بإذن الله على الوجه الأكمل .. وعليها ألا تستعجل الخطى، ولا تستطيل الطريق، ولا تستبطئ النصر، ولا تنخدع ببعض البشائر فتظن أن الثمرة قد حانت ولم يبق إلا القطاف ..
بل بقى الجهد .. كل الجهد .. وبقى العرق والدماء والدموع .. وكل عقبات الطريق .. ثم يأتي النصر بمشيئة الله.
أول ما ينبغي للصحوة هو بيان مقتضيات لا إله إلا الله. كما أشرنا إليها في هذه العجالة السريعة ..
ولا شك أن الصحوة قد قامت بجهد مشكور في هذا الاتجاه، ثمرته هي هذا الوعي الذي أخذ ينتشر عند الشباب خاصة، أن لا إله إلا الله ليست تلك الكلمة التي تنطق باللسان فحسب، وأن الإيمان قول وعمل .. عمل بمقتضيات لا إله إ الله.
ولكن الظن بأن هذه المهمة قد استوفت حقها، فهلم ننتقل إلى غيرها، ظن خادع يكذبه الواقع ..
إنها لا تستوفي حقها حتى يعلم الناس علمًا وافيًا نواقض لا إله إلا الله:
(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [2] .
ولحكمة ما تقدم ذكر الكفر بالطاغوت قبل ذكر الإيمان بالله، لأن الإنسان إذا لم يعلم ما الطاغوت، ثم يكفر به على بصيرة، فسيظل في إيمانه دَخَل .. يظل إيمانه غير صاف ولا خالص لله .. ومن ثم لا يقوم عليه بناء سليم.
(1) رواه أبو داود والترمذي.
(2) البقرة: 256.