الصفحة 102 من 105

اليقين بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، الضار النافع، المحيي المميت، الذي بيده الأمر كله .. كم نعطيه من اهتمامنا في التربية؟! إننا نكتفي - في الغالب- باليقين الذهني الذي يتحصل عند المؤمن في أول مراحل إيمانه .. ولكن هذا اليقين الذهني يتعرض للزلزلة عنند الابتلاء، والابتلاء سنة من سنن الله في خلقه:

(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [1] .

فكم نعنى بترسيخ هذا الإيمان، حتى يتحول من يقين ذهني إلى يقين قلبي، يملأ القلب حتى يطمئن إلى قدر الله، ويواجه الابتلاء الذي يتعرض له بيقين ثابت وقدم ثابتة لا تزلزلها الأحداث .. ؟

والآثار السيئة للبيئة التي يعيش معظم المسلمين في دائرتها: المنطقة الحارة، والمنطقة المعتدلة الحارة: الفوضى التي تكره النظام، والعفوية التي تكره التخطيط، وقصر النفس، الذي يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة .. تلك -كما قلت في"واقعنا المعاصر"- من آثار البيئة التي انتشر فيها الإسلام بقدر من الله .. ولكن الإسلام تسلم الناس من هذه البيئة بواقعهم ذلك فأخرج منهم"خير أمة أخرجت للناس".. فلما خفت قبضة الإسلام على قلوب الناس عادوا إلى عيوب بيئتهم: فوضويين يكرهون النظام، عفويين يكرهون التخطيط، قصار النَفَس، يشتعلون بسرعة وينطفئون بسرعة .. فكم بذلنا من الجهد لعلاج هذه العيوب التي يسمونها"حضارية"ونقول نحن: إن علاجها هو من مقتضيات لا إله إلا الله، لأن للا إله إلا الله مقتضى حضاريًا يعالج هذه العيوب ..

كذلك لا بد أن نضع في قائمة العقبات القائمة في وجه التربية عنف البطش الذي تواجه به الحركات الإسلامية، والكيد الذي تقوم به الصليبية العالمية والصهيونية العالمية وعملاؤهما في العالم الإسلامي لتضييق الخناق عليها وكتم أنفاسها ..

تلك كلها عقبات .. سواء أمام العملية التعليمية التبليغية أو أمام العملية التربوية ..

نعم .. ولكن .. ؟!

هل ننفض أيدينا بسبب جسامة العقبات؟!

ومن يحمل عنا مسئوليتنا أمام الله يوم القيامة؟!

كلا! إنما علينا أن نعرف جسامة العقبات؛ لنعرف جسامة الجهد المطلوب .. فلا نستبطئ النصر، ولا نتعجل الخطى، ولا نضن بالجهد، ولا نستطيل الطريق ..

ونعرف من جانب آخر أن المبشرات أكبر من العقبات!

الصحوة ذاتها آية من آيات الله، بعد كل ما أصاب الأمة من انحراف .. وكل ما كاده الأعداء من كيد ..

إن الناظر إلى جسامة الانحرافات التي وقعت فيها الأمة، حتى أفرغت لا إله إلا الله من محتواها الحي كله، فأصبحت مجرد الكلمة التي تنطق باللسان .. والناظر إلى جسامة الكيد الذي كاده الأعداء للأمة الإسلامية في القرون الأخيرة، والقرن الأخير خاصة، كان يجزم أن هذه الأمة لن تعود أبدًا، وأن هذا الدين قد انتهى من الأرض!

ولكن قدر الله الغالب كان عكس ذلك .. كان هو الصحوة الإسلامية!

والمسافة التي قطعتها الأمة، أو قطعتها الصحوة الإسلامية -من الخواء الميت إلى الحركة الحية، مسافة هائلة في حقيقة الأمر .. فإذا قلنا اليوم: إن الشوط ما زال بعيدًا، فليس هو أبعد في حقيقته من الشوط الذي قطعته بالفعل .. وفرق بين الجهد المبذول لإيقاظ النائم من غفوته، ووضع قدميه على الطريق، وبين الجهد المطلوب لترشيد حركته، وبث مزيد من النشاط فيها ..

وثمت مبشر آخر ينبغي إعطاؤه حجمه الحقيقي .. وحجمه كبير في الحقيقة ..

(1) العنكبوت: 1 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت