الصفحة 101 من 105

وبصرف النظر عن رأيي السابق الذي أبديته في كتاب"واقعنا المعاصر"وما زلت عنده، وهو أن هذه الجماعات تتعجل الدخول في المعركة قبل أوانها .. فإنني هنا أتحدث عن"المنهج"فأقول: إن الاقتصار على جانب واحد من جوانب التربية -سواء كان الجانب الجهادي أو غيره- مخل بعملية التربية ذاتها، ولا يبني"القاعدة الصلبة"التي لا بد من بنائها ..

وبعض الجماعات تهتم بالتربية الروحية وحدها وتهمل بقية الجوانب، وخاصة السياسي منها .. ولا شك أن كل بناء لا يقوم على القاعدة الروحية فهو بناء منهار مهما ارتفع .. ولكن التربية الروحية ليست غاية في ذاتها، إنما هي وسيلة لترسيخ البناء وتعميق أسسه وتقوية أركانه .. فإذا جعلناها غاية في ذاتها، ولم نبن شيئًا فوق الأساس، فماذا نكون قد صنعنا؟!

وبعض الجماعات تهتم بالتربية العلمية وحدها، علم الكتاب وعلم السنة، وتهمل بقية الجوانب ..

ولا شك أن الناحية العلمية ضرورية لبناء أية حركة إسلامية .."فالعلم"أساس هذا الدين. وقد أقْرأَ الله رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ ليعلمه فقال له: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [1] وقال له سبحانه: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [2] .

ولكن العلم وحده -على الطريقة التي تقوم بها تلك الجماعات- لا يصنع شيئًا كثيرًا في عالم الواقع! إنما غايته أن يخرّج"فقهاء"، أو"علماء"عالمين بأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- صحيحها وضعيفها، وبالأحكام المستمدة من الكتاب والسنة .. ولا زيادة! نسخ مكررة من أحد العلماء، أو من بعض العلماء .. ولكنها -كالكتب الجاثمة فوق الرفوف- لا تتحرك في دنيا الواقع! وإن تحركت ففي نطاق محدود لا يصلح ما في الأرض من الفساد!

وبعض الجماعات تهتم بتربية الوعي السياسي، وتهمل بقية الجوانب .. ولا شك أن الوعي السياسي ضرورة للحركة الإسلامية. وكثيرًا ما تؤتى الحركة من قلة وعيها السياسي ووعيها الحركي .. فلا تدرك مدى المؤامرات التي تحاك حولها، والتي تستدرجها لاستنفاد طاقتها في أمور جانبية؛ لتشغلها عن مهمتها الكبرى في التربية، ولا تتحرك الحركة الصائبة في الوقت المناسب فتستجيب للاستفزاز فتُضرب، أو تقع في"مطب"يرسمه الأعداء ..

ولكن الوعي السياسي وحده لا يكفي لبناء الحركة المطلوبة ..

وتصور وجود وعي سياسي فائق عند قوم لم تصلح أخلاقهم .. مثلًا!

أو تصور وجود الوعي السياسي عند قوم لم يتجردوا لله كما ينبغي للداعية المربي ..

أو تصور وجوده بغير الصبر على الابتلاء، أو بغير القدرة على توصيل الحق للناس، أو بغير"الحكمة"التي تخدم الدعوة .. فماذا يفيد ذلك الوعي، وأركان البناء كله لم تقم بعد؟!

جوانب كثيرة من التربية إما أهملتها بعض الحركات القائمة؛ لتركز على جوانب أخرى، وإما أهملتها لعدم شعورها بالحاجة إليها أصلًا في عملية التربية ..

وقد ضربت بعض الأمثلة في كتاب"واقعنا المعاصر"لجوانب من التربية لا تأخذ حظها من العناية لعدم الشعور بالحاجة إليها، ولا بأس بذكر بعضها هنا من زاوية أنها من"مقتضيات لا إله إلا الله"التي يجب أن تتجه الصحوة الإسلامية إلى إحيائها في نفوس أتباعها ..

(1) العلق: 1 - 5.

(2) محمد: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت