أعلن التنويريون عن أنفسهم أنهم قائمون بمهمة ضخمة، هي تحرير الشعوب من الاستبداد السياسي الذي عاشت في نيره عدة قرون.
وهي مهمة ضخمة بالفعل .. يستحق من يقوم بها أن يقدم له الشكر، وأن يكتب جهاده بحروف من نور.
لقد وقع الاستبداد مبكرا في حياة الأمة، منذ العهد الأموي، ووقع التخلف السياسي من الأمة كذلك، إذ نكلت عما أمرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغيير المنكر ومجاهدته بالوسيلة المناسبة من وسائل الجهاد، وإن كانت الصورة الواقعية للتاريخ الإسلامي ليست سوداء قاتمة كما يصورها المستشرقون وأشياعهم لغاية في نفوسهم، إنما حوت الأبيض والأسود، وحوت الظلم والمجاهدة كذلك، وإن لم تكن بالدرجة اللازمة التي كان يجب أن تكون.
واتخذ التنويريون سبيلهم أن يقلدوا أوربا في هذا الشأن، ككل شأن آخر، فدعوا إلى الديمقراطية، وأن تكون الأمة مصدر السلطات.
ونقف هنا لنسأل: هل كانوا على وعي كامل بما هم مقدمون عليه؟ أم إنها مجرد الرغبة التي عبر عنها طه حسين، والتي أشرنا إليها من قبل:"وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"؟!
ويجب أن نكون منصفين، فنقول إن لألاء الديمقراطية كان في يوم من الأيام باهرا يخطف الأبصار، وإن كثيرا من عيوب الديمقراطية لم يكن واضحا في مبدأ الأمر، إنما كانت الإيجابيات فيها هي الظاهرة للعيان.
ولكن"المسلم"الحق، الذي يرى الأمور بحس الإسلام وبصيرة الإسلام كان يجب أن تستوقفه عدة أمور، يتنبه لها ولا يدعها تفلت من انتباهه.
فأي شيء كان وراء الدعوة إلى الحرية السياسية، ومهاجمة الاستبداد؟ هل كانت خالصة لله؟ أم كانت وراءها أهداف يخطط لها مخططون ماهرون، يقفون وراء الستار ولا يبرزون أمام الجماهير؟!
لقد كان"الاستبداد"مقصودا به الدولة العثمانية، وكانت"الحرية السياسية"مقصودا بها الاستقلال عن الدولة. فمن الذي كان يحرك"اللعبة"؟ ولحساب من كان التحريك؟!
ونقول بادئ ذي بدء إننا لا ندافع عن الاستبداد! لا من الدولة العثمانية ولا من غيرها! لا ندافع عن أمر جرَّمه الله سبحانه وتعالى وحرَّمه:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" [1] .
وقد كان واجب الأمة أن تقوّم حكامها العثمانيين، وتمنعهم من الظلم، كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن المتتبع لتاريخ تلك الفترة يجب أن يستوقفه أن أشد النقد الذي وجه للدولة العثمانية كان هو الذي وجه للسلطان عبد الحميد بالذات، وأن ذلك قد بدأ بعد أن رفض السلطان عبد الحميد أن يمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين!
فأين كان وعي الأمة الإسلامية - والعربية بصفة خاصة، التي لعب بها اللاعبون ليضربوا بها الدولة العثمانية - وأين كان موقع التنويريين بالذات في هذه اللعبة الضخمة الماكرة؟!
إن الذي قاد الثورة العربية ضد الاستبداد العثماني هو لورنس! لورنس العرب! عضو المخابرات البريطانية الشهير! والذي قاد الجيش العربي كان هو اللورد أللنبي! الذي كتب في مذكراته يقول: لولا معاونة الجيش العربي ما استطعنا أن نتغلب على تركيا!
يا حسرة على العباد!
مرة أخرى نقول إننا لا ندافع عن الاستبداد، لا من الدولة العثمانية ولا من غيرها! وإن كان من واجب الأمة الإسلامية أن تقوّم حكامها وتردهم إلى العدل الذي أمر به الله.
ولكن الذي تم بالفعل كان شيئا آخر، غير الذي أمر به الله! كان الوقوع في لعبة الأعداء الذين يخططون للقضاء على الدولة العثمانية، من أجل القضاء على الإسلام!
(1) أخرجه مسلم.