الصفحة 43 من 60

إن"أحرار الفكر"في أوربا لما تناولوا النصوص الدينية عندهم، وفندوها، وأباحوا لأنفسهم نقدها، كانت ركيزتهم في ذلك أنها نصوص بشرية لا قداسة لها في واقع الأمر، وإنما رجال الدين هم الذين أحاطوها بالقداسة على زعم أنها من كلام الله .. وكان تفنيد تلك النصوص أمرًا محمودا بالنسبة لأقوال الكنيسة، ولو أنهم فعلوه من مبدأ الأمر، وكان لديهم منهج كمنهج المحدثين - وهو من أبرع وأدق ما أنتج الفكر الإسلامي - لأراحهم من طغيان الكنيسة، وحجرها على العقول، ولوفروا على أنفسهم قرونا من الظلام. ولكن أحرار الفكر هؤلاء تمادوا في"تحررهم"فلم يقنعوا بتزييف الزائف من أقوال الكنيسة وإزالة القداسة المزعومة عنه، بل أمعنوا في حملتهم - مدفوعين بالغل الذي كان في قلوبهم تجاه الكنيسة ورجالها - فهاجموا الدين في ذاته، والنص الديني على إطلاقه ولو كان صحيحا، ونفوا عالم الغيب كله، ونفوا الوحي والنبوة، وكانوا في ذلك شاطحين، لا يرتكزون على شيء من الحق، وأصبح موقفهم لا يقل سوءا عن الموقف الذي تمردوا عليه أول مرة وإن كانوا يقفون في الطرف المقابل. فإذا كانت جريمة الكنيسة أنها جعلت الدين عدوا للعقل، فقد كانت جريمة هؤلاء أنهم جعلوا العقل عدوا للدين. وكلا الموقفين انحراف لا يؤدي إلى خير، وتشطير للإنسان إلى شطرين متعاديين، بدلا من حقيقته المتكاملة المتوازنة التي خلقه الله عليها، والتي يؤدي بها مهمة الخلافة الراشدة في الأرض. وكانت النهاية التي انتهت إليها"حرية الفكر"هي الانسلاخ من الدين - صحيحا كان أو غير صحيح - وإزالة قداسته من النفوس، وما ترتب على ذلك من انصراف الناس عن اليوم الآخر، وانكبابهم على متاع الأرض، والانغماس في الشهوات، وما تلا ذلك من شيوع القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية والخمر والمخدرات والجريمة.

فماذا يريدون التنويريون في بلادنا على وجه التحديد، وهم لا يملكون حتى المبرر الأول الذي برر به"أحرار الفكر"في أوربا هجومهم على الدين؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت