وبصرف النظر مرة أخرى عن دور الماسونية العالمية في توصيل القضية إلى هذه الصورة، التي يختلط فيها الحابل بالنابل، والحق بالباطل، تحقيقا لأهداف الرأسمالية اليهودية في حرية استغلال رأس المال بجميع الوسائل من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، تحت شعار: دعه يفعل (ما يشاء) ، دعه يمر (من حيث يشاء) Laissez Faire , Laissez Passer الذي رفعته الثورة الفرنسية.
بصرف النظر عن ذلك، فقد كان الموقف منطقيا حين يكون كل من القولين، وكل من وجهتي النظر، بشريا بحتا، أي فكر بشر مقابل فكر بشر، وقول بشر مقابل قول بشر.
ولكن كيف إذا كان الأمر قول بشر مقابل قول الله، ووجهة نظر بشرية إزء أمر رباني؟!
ماذا يقول التنويريون في هذا المنكر الذي لا يوجد منكر أكبر منه؟
(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) [1] .
إن من حق أي بشر - ابتداء - أن يبدي رأيه حين يكون المعروض أمامه رأيًا بشريًّا. وليس من حق بشر أن يقول من عند نفسه: أنا وحدي على صواب، ومن خالفني فهو مخطئ. وكان علماؤنا يقولون - بتواضع العلم الحق - قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
ولكن حين يكون المعروض أمرًا ربانيا منزلا في الكتاب أو موحىً به في السنة، فمنذا الذي يحق له أن يقول أنا على صواب وما يقوله الله خطأ؟! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
من الذي يبلغ به التبجح أن يدعي أنه أعلم من الله، وأحكم من الله، وأحق أن يتبع من الله؟
إن الله سبحانه وتعالى جعل الحكم لنفسه في الأمور كلها على إطلاقها، سواء في الكون المادي أو في حياة البشر:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [2] .
(وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [3] .
(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [4] .
وجعل الله سبحانه وتعالى هذا الأمر - أمر حاكميته سبحانه في الأمور كلها على إطلاقها - مبنيا على حقيقتين، الأولى أن الله هو الخالق، والثانية أن الله هو العليم الحكيم:
(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [5] .
(قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [6] .
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [7] .
فمنذا الذي يبلغ به التبجح أن يزعم أنه خالق، فضلا عن أن يكون هو"الخالق"؟ ومنذا الذي يبلغ به التبجح أن يزعم أن علمه أكثر إحاطة من علم الله، وحكمته أعمق من حكمة الله؟
وبناء على هذين الأصلين الكبيرين: أن الله هو الخلاق الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو العليم الحكيم، أمر الله البشر بعبادته وحده، وطاعته فيما أمر به، وأنه لا خيار للبشر حين يقضي الله ورسوله بأمر:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [8] .
فماذا يقول التنويريون في هذا كله؟!
(1) سورة مريم [90] .
(2) سورة يوسف [40] .
(3) سورة الرعد [41] .
(4) سورة القصص [88] .
(5) سورة الأعراف [54] .
(6) سورة البقرة [32] .
(7) سورة البقرة [216] .
(8) سورة الأحزاب [36] .