الصفحة 41 من 60

ولكن مشركي الأمس غُلبوا على أمرهم وانقلبوا صاغرين، وباءوا بالخزي والخذلان فصمتوا، أما تنويريو اليوم فقد وجدوا"خواجات"- من المستشرقين - يبسطون ألسنتهم في الإسلام وفي كتاب الله، فنقلوا عنهم أفكارهم، وظنوا أنهم قد أتوا بما لم يأت به الأولون! ولو تدبروا - بعقولهم - ما يقوله هؤلاء وهؤلاء لأدركوا ما فيه من أباطيل .. ولكنها شهوة التقليد، مضافا إليها إمعية الشخصية، وفقدان الموقف الذاتي وأصالة التفكير [1] .

وحين بدأت أوربا تتمرد على دينها وعلى كنيستها، كان الشعور الشعبي - أو الجماهيري - في مبدأ الأمر مع الكنيسة، بتأثير النزعة الدينية الفطرية عند الناس، التي ترى في الدين شيئا مقدسا لا يجوز مهاجمته - في ذاته - ولا التمرد عليه .. فسمت الكنيسة الخارجين عليها ملاحدة ومهرطقين، وسموا هم أنفسهم"أحرار الفكر" [2] ! وكان موقف الجماهير من"أحرار الفكر"هو المعارضة والرفض والاستنكار. فأصبحت لهم قضية .. قضية السماح"للآخر"أن يعبر عن رأيه، ولو كان مخالفا لرأي المجموع.

وتدخلت عوامل كثيرة في تقرير هذا"الحق".

المعارضة المتنامية للكنيسة .. الثورة الفرنسية .. الديمقراطية .. وبصرف النظر عن دور الماسونية في ذلك كله، لتحقيق أهدافها الخاصة من وراء الأنظمة والتنظيمات، فإننا سنفترض أن الأمور سارت سيرا طبيعيا لا دخل فيه لأحد من شياطين الأرض.

لقد كانت القضية في أوربا واضحة المعالم، مفهومة الأدوار، منطقية التسلسل.

كانت الكنيسة في الموقف الخاطئ، سواء بعقيدتها المحرفة، وحجرها على العقل لمنع الناس من كشف ما في عقيدتها من تحريف، أو بطغيانها في جميع المجالات بما أشرنا إليه من قبل، من طغيان روحي، وطغيان مالي، وطغيان سياسي، وطغيان علمي، أو بما وقع من الفساد بين رجال الدين، أو بفضائح الأديرة، أو بمهزلة صكوك الغفران، أو بمحاكم التفتيش، أو بوقوف الكنيسة ضد حركات الإصلاح التي تطالب برفع الظلم السياسي والاجتماعي عن كاهل الناس [3] . وكان"أحرار الفكر"أقرب إلى الصواب، في معارضتهم للكنيسة ومقولاتها على الأقل، وإن لم يكونوا على صواب في محاربة الدين كله من حيث المبدأ، والمناداة باستخدام العقل بديلا من الدين، وقد منح الله الناس العقل ليعرفوه به، لا لينكروه ويتمردوا عليه!

وكانت المطالبة بحق"الآخر"في إبداء رأيه، ولو كان مخالفا للمجموع، تستند في الحقيقة إلى ذلك الواقع، وهو أن المجموع - المتبع للكنيسة هو المخطئ، وهو الذي يجب أن يستمع إلى"الآخر"ليصحح فكره. وكان منع هذا"الآخر"من إبداء رأيه معناه الاستمرار في الخطأ، ورفض الاستماع إلى حركة التصحيح.

وأخيرا - بعد جهاد طويل - تقرر عندهم هذا الحق، وصار جزءا من ديمقراطيتهم، لا في السياسة وحدها، ولكن في الفكر من حيث هو فكر، وفي السلوك من حيث هو سلوك.

(1) كان كتاب طه حسين"في الشعر الجاهلي"مجرد ترديد لأفكار المستشرق مرجوليوث، وكتاب علي عبد الرازق"الإسلام وأصول الحكم"ترديدا لأقوال عدد لا يحصى من المستشرقين، وكانت مسرحية"أولاد حارتنا"لنجيب محفوظ - التي نال عليها جائزة نوبل - ترديدا لفكرة موت الإله التي أطلقها شوبنهور .. وغيرهم وغيرهم كثيرون!

(2) كلمة المفكر الحر Free Thinker في المعاجم الأوربية معناها الملحد!

(3) اقرأ إن شئت"دور الكنيسة في إفساد الدين"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت