كانت الصيحة ضد الاستبداد كلمة حق يراد بها باطل .. ولكنها خدعت الناس في وقتها فانجرفوا معها، وكان التنويريون على رأس المنجرفين، بل على رأس الدعاة الذين يدعون الأمة إلى الانجراف!
هل كانوا على وعي مما هم مقدمون عليه؟
كان تخطيط الصهيونية العالمية - بمعاونة بريطانيا وفرنسا - منذ رفض السلطان عبد الحميد عروض هرتزل لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، هو تحطيم الدولة العثمانية، وتفتيت العالم العربي إلى دويلات صغيرة ضعيفة متنابزة متعادية، تمهيدا لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، والعرب مشغولون بخلافاتهم، والمسلمون مشغولون بمشاكلهم، فيتم الأمر بلا مقاومة، أو بأقل مقاومة ممكنة، ويستتب الأمر لليهود.
وقد نفذ هذ بالفعل كما قرره مؤتمر هرتزل في سويسرا عام 1897 م، الذي قرر ضرورة إنشاء الدولة خلال خمسين عاما. وفي تلك الأعوام الخمسين تم المطلوب كله. قُسِّم العالم الإسلامي بادئ ذي بدء إلى عرب وترك، وأشعلت"الثورة العربية الكبرى!"التي وضع على رأسها الشريف حسين بينما الذي غذّاها ووجهها هو لورنس، والتي كان أول أعمالها"المجيدة!"تدمير الخط الحديدي الذي أنشأه عبد الحميد ما بين أسطنبول والمدينة المنورة، واحتجاز آلاف من الجنود والضباط الأتراك في المنطقة العربية وتذبيحهم بدلا من إطلاقهم ليقاتلوا في ميدان المعركة ضد الحلفاء، وتكوين جيش"عربي!"بقيادة اللورد أللنبي ليقاتل الدولة العثمانية مع الحلفاء. ثم تقسيم المنطقة العربية إلى تلك الدويلات الهزيلة الهشة، الخاضعة للاستعمار البريطاني والفرنسي، ووضع فلسطين بالذات تحت الانتداب البريطاني (وهو درجة أشد من الاستعمار) من أجل تسليمها لليهود في الوقت المتفق عليه!
كما تم في الوقت ذاته أمر آخر على أعظم جانب من الأهمية، هو إطلاق قضية"تحرير المرأة"وقضية"حرية الفكر"الأولى لشغل الأولاد والبنات بعضهم ببعض، وشغل الأمة كلها عن روح الجد والجهاد اللازم لمواجهة المؤامرة الكبرى التي تدبر للاستيلاء على فلسطين، والثانية لإبعاد الناس عن مصدر قوتهم الحقيقي، الذي يمدهم بالعزيمة والقوة لجهاد الأعداء - وهو الإسلام والقرآن - بإزالة قداسته في النفوس، وتوهين جذوره، وتشكيك الناس في حجيته وضرورة الاستمداد منه.
فأين كان التنويريون في هذا كله؟ في معسكر الأمة الإسلامية أم في معسكر الأعداء الذين يخططون للقضاء على الإسلام؟!
ثم إن"الدولة الحديثة"التي ينادَى بها، دولة لا تحكم بالشريعة الربانية، إنما يطالب لها"بدساتير"مجلوبة من هنا ومن هناك، من فرنسا أو بريطانيا أو سويسرا .. أو أي جهة غير الإسلام.
فلحساب من يتم ذلك؟ وأين مكان التنويريين في القضية؟!
لقد كان موقفهم واضحا من أول لحظة، فهم ضد الحكم الإسلامي، وضد تحكيم الشريعة، سواء بدعوى أن الإسلام لا علاقة له بالحكم، وليس له نظام حكم (انظر علي عبد الرازق) أو بدعوى أن الحكم الإسلامي حكم استبدادي يجب القضاء عليه من أجل أن تستنشق الشعوب نسيم الحرية، وأن الشريعة الربانية لم تعد صالحة للتطبيق بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا من نزولها، تطورت فيها الدنيا كثيرا عن الوضع الذي نزلت فيه الشريعة وكانت صالحة فيه للتطبيق!
لقد كان همّ الاستعمار الصليبي منذ وطئت أقدامه الأرض الإسلامية هو تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم، وتحكيم القوانين الوضعية بدلا منها .. فكيف تطابقت مواقف التنويريين مع مواقف الاستعمار الصليبي؟!
حين جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، جاءت وفي مشروعها تنحية الشريعة الإسلامية، و"تحرير"المرأة المسلمة ونشر الأفكار الأوربية (العلمانية) مترجمة إلى العربية ليقراها العرب المسلمون ويتأثروا باتجاهاتها.