(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [1] .
ليقول تعالى للناس إن المرأة المؤمنة تمثل"الذين آمنوا"كما يمثلهم الرجل المؤمن سواء بسواء، بل إنها - بعملها في تربية الأجيال المؤمنة - جديرة بكل تكريم، وقمة التكريم تأتي في كتاب الله، الذي أنزله لهداية البشرية.
وهذا بالإضافة إلى ما قامت به المرأة المسلمة من المشاركة في الجهاد، سواء بتضميد الجرحى والعناية بهم، أو بالقتال ذاته وإن لم يكن مفروضا عليها.
كلا! لقد كانت المرأة المسلمة في قمة عليائها وكرامتها وعزتها وشعورها بإنسانيتها وشعورها بدورها الفعال في بناء المجتمع، وهي ملتزمة بالحجاب، بل مسارعة إليه - عبادةً لله - كما وصفت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار.
فأي علاقة بين الحجاب وبين ما وقع على المرأة المسلمة من الظلم والهوان؟!
وقع عليها الظلم وهي ملتزمة بالحجاب .. نعم! ولكن ما علاقة هذا بذاك؟!
لو أن إنسانا كان يلبس ثوبا أبيض ناصعا نظيفا وكان في صحة وعافية، ثم أصابه مرض أقعده عن الحركة، وطال به المرض .. كم يكون هذا الإنسان مضحكا لو قال في نفسه: لقد مرضت بسبب هذا الثوب! فلأخلعه لكي أتحرر من المرض؟! وكم تكون"عقلانيته"ناقصة وهو يصنع هذا الصنيع؟ بل كم يكون ناقص الأهلية لو أنه قال: إن فلانا من الناس لم يبرأ من المرض إلا حين خلع ثوبه وخرج إلى الشارع نصف عريان؟!! فلأفعل مثله ولأنتظر الشفاء!!
إن الظلم قد وقع على المرأة المسلمة في المجتمع المسلم لأنه تفلت من تعاليم الإسلام، لا لأنه كان ملتزما بتلك التعاليم! وحيثما تفلت الناس من تعاليم دينهم وقع الظلم، سواء كان ظلما سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو فكريا، أو من أي نوع وفي أي اتجاه. فقد أنزل الله هذا الدين"ليقوم الناس بالقسط".
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [2] .
فإذا لم يلتزم الناس بالكتاب، واختل في يدهم الميزان، فقد ارتفع عنهم القسط، وحل بهم الظلم حتى يعودوا فيتمسكوا بالكتاب ليعتدل في يدهم الميزان.
وظلم المرأة المسلمة في المجتمع المسلم كان كله بسبب عدم التزام الناس بتعاليم الإسلام، ولم يكن علاجه أن يزيد المجتمع بعدا عن دين الله بخلع حجاب المرأة المسلمة، ولكن كان علاجه أن يقوم عالم رباني مؤمن، يدعو إلى إصلاح المجتمع بإعادته إلى الالتزام الجاد بتعاليم الإسلام، فيرتفع الرجل عن هبوطه الذي هبط إليه، وتخرج المرأة مما غلفها به الرجل الظالم من الجهل والتأخر والخرافة وضيق الأفق وزراية الوضع وضآلة الكيان، لتعود"إنسانة"كما خلقها الله، مشاركة في بناء المجتمع كما أرادها الإسلام .. وتكون في كل ذلك محجبة كما أمرها الله، متطهرة من دنس الجاهلية وتبرجها:
(وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [3] .
لم يكن للتنويريين عذر في ربط تحرير المرأة بخلع الحجاب، أكثر من عذر ذلك المريض الذي ضربنا به المثل، الذي خلع ثوبه وخرج إلى الشارع نصف عريان ليشتفي مما ألم به من الأمراض!
(1) سورة التحريم [11 - 12] .
(2) سورة الحديد [25] .
(3) سورة الأحزاب [33] .