القضية في أصلها هي تحرير المرأة من الظلم الذي أوقعه عليها الرجل (أي المجتمع الي يسيطر الرجل عليه) ولذلك فهي معركة مع الرجل ابتداء .. موجهة ضده، لاستخلاص الحقوق التي هضمها، واحدا إثر الآخر، ولا يتم النصر فيها إلا بزحزحة الرجل عن عنجهيته في معركة تلو معركة، حتى يستسلم أخيرا، ويقرّ للمرأة بكل ما تريد!
وبصرف النظر عن كون"المساواة التامة في كل شيء"التي وُصِّلَتْ إليها قضية المرأة الأوربية، سليمة أو فاسدة، نافعة أو مضرة، محققة لفطرة المرأة أو غير محققة .. فقد كانت القضية - من حيث الشكل - منطقية مع أوضاع أوربا، فالظلم الواقع على المرأة هناك هو فعلا من صنع الرجل (أي المجتمع الذي يسيطر الرجل عليه) ، وكان لا بد من المواجهة مع الرجل، لكي يخضع - أو يُخْضَع - لمطالب المرأة ..
أما الحجاب .. فما علاقة الرجل به؟ ومن الذي فرضه على المرأة المسلمة؟!
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها، تمتدح نساء الأنصار:"لما نزلت آية الحجاب قامت كل واحدة إلى ثوبها فاعتجرت به ..".
"لما نزلت آية الحجاب .."
الحجاب إذن من عند الله. وليس الرجل هو الذي فرضه لحسابه الخاص! إنما فرضه الله لحساب الرجل والمرأة كليهما، ولحساب الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، والقيم اللائقة"بالإنسان"ليقوم بالخلافة الراشدة في الأرض، محافظا على طاقته أن تتبدد - أو يتبدد جزء منها - في الشهوات، التي أثبتت تجربة التاريخ أنها تؤدي - دائما - إلى انهيار المجتمع الذي تتفشى فيه.
وحقيقة إن الظلم وقع على المرأة المسلمة وهي متحجبة .. ولكن مرة أخرى ما علاقة الظلم بالحجاب، وما علاقة الحجاب بالظلم؟!
كان يمكن أن يكون هناك شيء من المنطق في القضية لو أن الظلم وقع على المرأة في اللحظة التي فرض الله عليها الحجاب .. فتكون العلاقة بين الحجاب وبين الظلم هي علاقة السبب بالنتيجة! ولكن كيف يكون الأمر إذا كان تحرير المرأة المسلمة قد تم في ذات الوقت الذي فرضه الله فيه عليها الحجاب؟! وكيف يكون الأمر إذا كانت المرأة المسلمة المتحررة - التي حررها الإسلام، وأعطاها كيان الإنسان وحقوق الإنسان - قد قامت بنشاطها كله وهي ملتزمة بالحجاب؟!
وأي نشاط؟!
إنه المشاركة الكاملة في بناء المجتمع الجديد، الذي أنشأه الإسلام .. خير مجتمع في التاريخ:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [1] .
لم يكن شعور المرأة المسلمة - التي حررها الإسلام - أنها شيء هامشي في المجتمع، بل ركن أصيل فيه، تشارك باعتناقها الدين الجديد، وتخلّقها بأخلاقه، والتزامها بتوجيهاته، في عملية البناء، لبنة حية، لها وعيها وإرادتها وإيجابيتها. وتشارك في المحنة التي يتعرض لها المؤمنون في مبدأ الدعوة بالصبر الجميل الناشئ من عزة التعرف على الحق بعد الضلال، والتمسك به في وجه جميع الأهوال، ويكفي أن يكون أول شهيد في الإسلام امرأة، عذبت من أجل دينها حتى استشهدت وهي لا تفرط في عقيدتها، وتضرب مثلا رائعا لا للنساء المؤمنات فقط، بل للرجال أيضا، ولكل مجتمع مسلم في التاريخ!
ولأمر ما - لحكمةٍ ما - اختار الله سبحانه وتعالى مثلا للذين آمناو امرأة فرعون ومريم ابنة عمران:
(1) سورة آل عمران [110] .