وحقيقة إن بعض الصور كانت متشابهة ما بين وضع المرأة المسلمة في المجتمع الإسلامي المبتعد عن روح الإسلام ووضع المرأة الأوربية من حيث تعيير المرأة بأن مهمتها أن تحمل وتلد وتقوم بشئون المنزل ولا زيادة، ووضعها في موضع الخادم للرجل على هذا الأساس .. ولكن كانت هناك مع ذلك فروق جوهرية في أمور أخرى، هي التي شكّلت وضع المرأة الأوربية على النحو الذي صارت إليه دون غيره من الأوضاع، التي كان يمكن أن ترد للمرأة كيانها الإنساني المسلوب، دون أن تفقدها أنوثتها، ودون أن تبتذلها على الصورة التي جعلتها ملهاة للرجل في المرقص والمسرح والسينما والمتجر والمصنع والطريق ..
فالمرأة المسلمة - رغم كل السوء الذي كانت فيه - لم تكن حَرِيَّةً أن تضطر للعمل لكي تأكل .. لا بثورة صناعية ولا بأي سبب آخر .. فكفالة الرجل لها مقررة في شرع الله، ولم ينكل الرجل المسلم عن كفالتها قط، على الرغم من تفلت المجتمع التدريجي من كثير من تكاليف الإسلام. فقد كانت المسألة مرتبطة عنده بقضية العِرْض، وهي قضية شديدة الحساسية عنده، حتى لو تفلت في أمور أخرى.
ولم تكن المرأة المسلمة - حتى إن اضطرت للعمل خارج البيت (وهو احتمال ضئيل جدا لو بقي المجتمع المسلم بعيدا عن الغزو الأجنبي) - لم تكن لتتعرض لما تعرضت له المرأة الأوربية العاملة، من العمل بنصف الأجر، واضطرارها لبيع عرضها من أجل لقمة الخبز كما حدث للعاملات في مصانع"الثورة"الصناعية في أوربا، وكان بداية لإفساد المجتمع كله ..
وأمور كثيرة أخرى لم تكن حريَّة أن تقع في المجتمع الإسلامي ..
ولكن القضية عند التنويريين كانت كما وصفها طه حسين بدقة وصراحة و"إخلاص!"،"هي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"!.
ولكن تبقى مشكلة بالنسبة لتحديد نقطة الانطلاق ..
لقد تطورت قضية تحرير المرأة الأوربية من نقطة مركزية، هي العمل في المصانع بنصف أجر الرجل، والمطالبة - ابتداء - بالمساواة مع الرجل في الأجر .. ثم تتابعت الخطوات .. فإن الرجل هناك لم يستجب لصراخها من أجل المساواة في الأجر، فقيل لها: لأنك جاهلة يستخف الرجل بحقوقك، فلا بد أن تتعلمي. فطالبت - أو طولب لها - بالمساواة مع الرجل في حق التعليم؛ ولما لم تحل المشكلة - رغم التعليم - قيل لها لا بد أن توصلي صوتك لمنبع التشريع، وهو البرلمان، فطالبت - أو طولب لها - بالمساواة مع الرجل في الحقوق السياسية، وفي وظائف الدولة العليا .. وفي أثناء ذلك كله كانت القضية تَزْحَفُ أو تُزّحَّفُ - نحو هدف نهائي مرسوم من قبل لدى المخططين، هو أن تنال المرأة"حق الفساد"مثلها مثل الرجل سواء!
أما المرأة المسلمة التي لا تعمل خارج البيت، لا بأجر ولا بنصف أجر، فكيف تُنْشَأ لها قضية تمر بذات المراحل على ذات النسق الأوربي، ليتحقق ما وصفه طه حسين، وما قاله من قبل قاسم أمين: إن المرأة المسلمة لا بد أن تصنع ما صنعته"أختها الأوربية"، لكي تنال حريتها؟
لا بد من افتعال سبب آخر - وإن يكن"صناعة محلية"- تدخل به المرأة المسلمة في"المسار"الذي سلكته"أختها الأوربية"من قبل ..
ووقع الاختيار على الحجاب!
الحجاب هو سبب كل البلايا التي أصابت المرأة المسلمة، ولا بد من خلع الحجاب من أجل تحرير المرأة!!
ولا تسل عن المنطق في القضية .. فالمنطق مجرد أداة، إن خَدَمَتْنَا فنعما هي! وإن لم تخدمنا فلنتخذ أداة أخرى، ولا حرج علينا .. فالغاية تبرر الوسيلة. . والغاية أن نكون كالأوربيين!