وكانت في أوربا حركة لتحرير المرأة، نشأت من الثورة الصناعية وصاحبتها طورا بعد طور، ابتداء من اضطرار المرأة إلى العمل في المصانع في المدينة بعد أن هجرها عائلها إلى المدينة وتركها في الريف بلا عائل، عرضة لأن تموت جوعا، واستغلال أصحاب المصانع لذلك الوضع وتشغيل النساء بنصف أجر الرجل مع أنهن يعملن نفس العمل، ونفس العدد من الساعات، فصارت لها"قضية"هي قضية"المساواة مع الرجل في الأجر"ثم تطورت إلى"المساواة مع الرجل في حق التعليم"ثم"المساواة مع الرجل في حق العمل"ثم"المساواة مع الرجل في حق الوظائف العامة"... وفي الأخير"المساواة مع الرجل في حق الفساد" [1] !!
وتبنت حركة التنوير قضية تحرير المرأة المسلمة .. على النسق الأوربي [2] !
وواضح أن القضية في أوربا قد أخذت مراحل متتابعة نشأت من ظروف محلية واقعية، جعلت وصولها إلى شكلها الراهن يبدو منطقيا مع تلك الظروف (بصرف النطر عن النوايا الحقيقية التي كان شياطين اليهود يدفعون إليها القضية دفعا متواصلا لأمر يراد!) .
فلو كان في أوربا تشريع سماوي - كالإسلام - يوجب على الرجل كفالة المرأة في جميع أحوالها، بنتا وزوجة وأما، ويعفيها من العمل بنفسها، لتتفرغ لما هو أعلى وأهم وأخطر، وهو تنشئة الأجيال وبناء المجتمع على أسس صالحة، لما وُجدت المرأة التي تتعرض للموت جوعا في الريف، وتُضطر إلى الهجرة إلى المدينة للعمل من أجل القوت ..
ولو كان عند الرأسمالية الأوربية ضمير، ما استغلت وضع المرأة التي اضطرت للعمل، فأعطتها نصف أجر الرجل وهي تقوم بنفس العمل الذي يقوم به، وما كانت لتوجد عندئذ البذرة الأولى التي أنشأت قضية المرأة على النحو الذي نشأت به، وتطورت فيما بعد إلى حق المساواة مع الرجل في كل شيء!
ولو كان الرجل الأوربي لم يفسد (أو لم يُفْسَدْ) لما شملت قضية"المساواة مع الرجل"حق الفساد، الذي كان الرجل قد"ناله!"منذ الثورة الفرنسية، وتابعته المرأة فطالبت به كحق مشروع!!
وليس معنى ذلك أن أحداث الثورة الصناعية هي التي أوقعت الظلم على المرأة الأوربية، وأنها كانت قبل ذلك في وضع إنساني طيب .. فقد كان وضعها سيئا من قبل بسبب نظرة المسيحية المحرَّفة إليها على أنها أحبولة الشيطان التي يجب أن تحقّر وتهان وتعامل بالزراية والبغض والعسف. وكان الفلاسفة الأوربيون في القرن السابع عشر يتساءلون: هل للمرأة روح أم ليس لها روح؟ وإن كان لها روح فهل هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وإن كان لها روح إنسانية فهل هي من نفس روح الرجل أم من طبقة أدنى؟!
ولكنا نقصد أن أحداث الثورة الصناعية في أوربا هي التي اضطرت المرأة للعمل في خارج البيت، وتبع ذلك الاختلاط، والمفاسد الخلقية التي ترتبت عليه، ووصول الأمر إلى الأوضاع الراهنة التي صارت الفاحشة فيها أصلا معترفا به، بل صارت هي الأصل الذي يُنْشَّأ عليه الأولاد والبنات وتحوطه الأنظمة الدولية بالرعاية!! ولم يكن هذا كله شرطا حتميا لتحرير المرأة، إنما هكذا سارت قضية التحرير هناك، بسبب الظروف الخاصة التي أحدثتها الثورة الصناعية.
ولكن التنويريين لم يلقوا بالا إلى شيء من هذا كله ..
لقد كانت القضية عندهم أن المرأة المسلمة مظلومة، وأنه يجب رفع الظلم عنها، وأن الوسيلة يجب أن تكون هي ذات الوسيلة التي أدت إلى تحرير المرأة الأوربية!
(1) اقرأ القصة إن شئت في فصل"دور اليهود في إفساد أوربا"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".
(2) واقرأ قصة تحرير المرأة المسلمة على النسق الأوربي - إن شئت - في فصل"قضية تحرير المرأة"من كتاب"واقعنا المعاصر".