الصفحة 28 من 60

وماذا فعلوا هم بالديمقراطية حين أرادوا"تشغيلها"في البلاد العربية والإسلامية كأنها جهاز يدور من تلقاء نفسه! هل دارت؟ هل أفرزت للناس حريات وضمانات، وعصمتهم من طغيان الدولة، ومن السجن والاعتقال والتعذيب الوحشي الذي لا مثيل له في التاريخ؟!

أم لا بد أن يتشبث الناس بحقوقهم لكل لا يعتدى عليها، ولا بد أن يجاهدوا من أجلها لكي لا تسلب منهم؟

لا بد من فعل إيجابي من جانب البشر، يجعل النظام يعمل، ويستمر في العمل .. فإذا لم يقم البشر بذلك الفعل الإيجابي .. إذا تواكلوا وتقاعسوا وفرّطوا وقعدوا، فمن يحميهم من النتيجة الحتمية التي قررتها السنن الربانية؟

لقد ضرب الله للأمة الإسلامية في كتابه المنزل مثلا من أمة سابقة أُنْزِلَ إليها كتابٌ فلم تحفظه، وجولته إلى"تراث".. فضُربت عليها الذلة والمسكنة:

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [1] .

فماذا فعلت الأمة الإسلامية بكتابها الذي مكنها الله به في الأرض قرونا متوالية وقت أن كانت مستمسكة به؟

حولته إلى"تراث"! تراث ورثته عن الآباء والأجداد. وليس هو كتاب الساعة الذي يلزمها العمل به في كل أمر وفي كل اتجاه!

وتواكلت، وتقاعست، وفرطت، وقعدت .. فصارت غثاء كغثاء السيل.

ولقد مر بنا ذكر الأمراض التي أصابت الأمة، سواء أمراض العقيدة أو أمراض السلوك، والتي تجمعت كلها وتركزت في القرنين الأخيرين، فأدت بالأمة إلى ما أدت إليه.

وما بنا أن نكرر الإشارة إلى تلك الأمراض .. ولكن يلزمنا التنبيه إلى أمور.

أولا: أنه لا يوجد نظام - سماوي أو أرضي - يعمل من تلقاء نفسه دون أن يقوم البشر من جانبهم بما يتطلبه تحقيق النظام في عالم الواقع من أعمال وتكاليف. وأن مزية الإسلام - التي نتحدث عنها دائما - ليست أنه يعمل من تلقاء نفسه إذا انصرف الناس عن العمل بمقتضياته - فهذا مستحيل في عالم البشر - إنما مزيته أنه حين يعمل الناس به (وذلك في مكنتهم دائما إذا أرادوه) يؤتي ثمارا من نوع لا يستطيع نظام آخر في الأرض كلها أن يؤتي ثمارا مثلها. ويكفي أن يكون هو الشيء الوحيد الذي يقبله الله من الناس يوم القيامة ويدخلهم به الجنة، بينما كل شيء سواه باطل وقبض الريح:

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [2] .

أما في الحياة الدنيا فهو يؤدي - حين يعمل به الناس حق العمل - إلى التمكين الذي يشتهيه البشر ويسعون إلى إحرازه، مع انفتاح بابين من أبواب التمكين لا ينفتحان لغيره، هما البركة والطمأنينة:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [3] .

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [4] .

(1) سورة الأعراف [169] .

(2) سورة آل عمران [85] .

(3) سورة النور [55] .

(4) سورة الأعراف [96] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت