الصفحة 27 من 60

لم يمر على البشرية عهد كانت الفاحشة فيه على قارعة الطريق، تنساب ليل نهار، وتنصب قاذوراتها في مجاريها الدنسة، في البيوت والغابات والحدائق والمسارح والمراقص والحانات كما هي اليوم، على الرغم من كل التبذل الذي يحكيه التاريخ عن الإغريق القدماء والرومان، ومزدك الفارسي، وغيرهم من"عظماء التاريخ"!

ولم يمر على البشرية عهد كانت الفاحشة الشاذة بجميع ألوانها يُشرَّع لها في البرلمانات، وتُقنَّن القوانين لحمايتها، وتؤسَّس النقابات لتدافع عن"حقوقها!"وتتبنى"المحافل الدولية!"قضيتها فتجعلها إحدى الحريات الرسمية التي تطالب الدول بإتاحتها لأفرادها وإلا عوقبت بمنع المعونات عنها (!!) .. كما هو حادث اليوم [1] .

اللهم إن كان هذا تقدما فإني أشهد شهادة الحق أن دينك يحرمه، وأنك قلت في محكم التنزيل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [2] .

ولنأخذ"تقدما"آخر .. في الخمر والمخدرات والجريمة!

لم تبلغ نسبتها في التاريخ كله ما بلغته اليوم، في العالم الغربي خاصة!

ولنأخذ"تقدما"آخر في تفكك روابط الأسرة! بل في مبدأ الأسرة ذاته!

بل لنترك هذه المجالات كلها التي تشملها"الحرية الشخصية".. والتي يبدو واضحا أن الإسلام لن يتجاوب معها في يوم من الأيام.

خذ مجال السياسة الدولية.

هل مر عهد من الظلم الدولي"المقنن"يفوق ما هو قائم اليوم فيما يسمونه"الدول العظمى"أو"القوى العظمى"؟

ما قضية"الفيتو"في مجلس الأمن؟

الدولة تكون معتدية جهارا نهارا، مرتكبة كل الكبائر في العدوان على حقوق غيرها وكرامتهم، ويجتمع المجلس الموقر، ويجمّع أدلة الإدانة التي لا مجال للطعن فيها، فإذا بمندوب الدولة العظمى يرفع أصبعه"فيتو"فتقف الأرض كلها مكتوفة لا تستطيع أن تنطق بحرف!!

هل هذه هي العدالة التي تجاوزت البشرية بها الإسلام في السياسة الدولية؟!

وخذ مجال الاقتصادي الدولي.

ماذا تفعل الدول"المتقدمة"بالدول الصغيرة والدول الضعيفة والدول المتخلفة اقتصاديا؟! تحاصرها. تعصرها. تأكلها. تذلها. لتستمتع هي بالمتعة الحرام على حساب الجائعين والفقراء الذين يعيشون تحت مستوى الآدمية بينما الترف يأكل المترفين على الجانب الآخر.

هل هذه هي العدالة التي تجاوزت بها البشرية الإسلام في عهدها الحاضر؟!

أما يستحي الذين يقولون إن البشرية اليوم قد تجاوزت الإسلام فصار بالنسبة إليها رجعية غير لائقة؟!

أما المقولة الثالثة فلا تقل تهافتا عن المقولتين السابقتين.

يقولون لو كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان فلماذا تخلف أهله؟ ولمَ لم يعصمهم الإسلام من الهبوط؟

هل يوجد نظام - سماوي أو أرضي - يعمل من ذات نفسه بطريقة آلية دون أن يكون البشر هم العاملين فيه؟ أو ليس هذا مخالفا لما قرره الله وقدره: أن يكون وضع الإنسان غير وضع الكائنات الأخرى، فلا يقهر على الهدى كالسموات والأرض، وإنما يختار، ويتحمل مسئولية الاختيار:

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ) [3] .

وحين يختار الضلالة أيقال لو كان الهدى هدىً حقيقيا لعصمه من الضلال؟!

(1) هددت هيئة الأمم في مؤتمر السكان ومؤتمر المرأة أي دولة لا تبيح أقصى درجات التحلل الخلقي للأولاد والبنات والشواذ بقطع الإعانات الدولية عنها!!!

(2) سورة النور [19] .

(3) سورة الأحزاب [72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت