أما الإسلام .. الإسلام في صورته العادية التي يقدر عليها كثير من البشر، فقد ظل يعمر الأرض عدة قرون، ويمتد بالفتح في الأرض، ويمتد بالنور في القلوب.
أما المقولة الثانية التي تزعم أن الإسلام كان شيئا تقدميا بالنسبة لزمنه، ولكنه يعد الآن تخلفا ورجعية، فهي مقولة الشيوعيين، كانوا يتنفجون بها في أيام سطوتهم، لما لم يستطيعوا - بكل الجهد الذي بذلوه - أن ينكروا أن الإسلام كان نقلة ضخمة لا تؤهل لها كل الأحوال المادية ولا الاقتصادية ولا الاجتماعية ولا الفكرية ولا الخلقية التي كانت سائدة في الأرض كلها قبل ظهوره، قالوا: صحيح! ولكنه أخذ دوره التاريخي، والآن تجاوزته الحتمية التاريخية فأصبح متخلفا عن ركب الزمن!
وقد عاش هؤلاء حتى رأوا كذب دعاواهم كلها في كل اتجاه!
كانوا يقولون إن الشيوعية هي نهاية التطور التاريخي، وإن أي تقدم جديد سيكون في داخل الشيوعية، لأنها هي الأول والآخر، لم يكن قيلها شيء، ولا يكون بعدها شيء!! حسب المراحل التاريخية الخمس المزعومة: المشاعية الأولى - الرق - الإقطاع - الرأسمالية - الشيوعية الثانية والأخيرة!
وانهارت الأسطورة أمام أعينهم فلم يملكوا لها ردا .. ولم ينته التاريخ!
وكانوا يقولون إن مراحل التطور حتمية ولا يمكن تخطيها أو تعديلها: لا تسبق أمة أجلها ولا تستأخر عن الحتمية التاريخية! لذلك قالوا إن بريطانيا ستكون أول دولة شيوعية في أوربا! ويعلم الناس كلهم أن بريطانيا ما تزال رأسمالية حتى هذه اللحظة. ويعلم الناس جميعا أن الدولتين اللتين أصبحتا شيوعيتين: روسيا والصين، لم تمرا بالمرحلة الرأسمالية (التي هي حتمية في زعمهم قبل الوصول إلى الشيوعية) بل قفزتا رأسا من الإقطاع إلى الشيوعية، ثم انهارت الشيوعية في روسيا، وانهارت معها كل دعاوى الحتمية التاريخية.
أما مقولتهم عن الإسلام فهي منهارة من أول الطريق!
ولكن شيوعيي الأمس أصبحوا اليوم ديمقراطيين! وصاروا يدافعون بحرارة عن الديمقراطية الحزبية التعددية، ليستخدموا المدفعية الجديدة من مواقعهم الجديدة ضد الإسلام!
ومن موقعهم القديم، ومن موقعهم الجديد، يرددون المقولة ذاتها: إن الإسلام نظام متخلف لا يتمشى مع التطور التاريخي ولا مع أسس"الدولة الحديثة"!
ونريد أن نحدد بالضبط في أي المجالات تجاوزت البشرية الإسلام، فأصبح الإسلام بالنسبة إليها تخلفا لا يليق بها أن ترجع إليه!
أما التقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي الذي تملكه البشرية اليوم فلا شك أنه أضخم شيء عرفته البشرية في تاريخها كله .. ولكن ما علاقة هذا بدعوى تأخر الإسلام؟ كان يمكن أن تكون له علاقة لو أن الإسلام - كالكنيسة الأوربية - كان يحارب العلم، ويحرّق العلماء الذين يكتشفون أمورًا جديدة في الكون. أما والإسلام هو الذي أنشأ الدفعة العلمية التي أدت إلى الحاضر، فكيف يكون التقدم العلمي في ذاته تجاوزا للإسلام؟!
لو قالوا إن العالم اليوم متقدم علميا وتكنولوجيا ومعلوماتيا بينما المسلمون متأخرون، لقلنا نعم! هذا أمر أوضح من أن يجادل فيه أحد. أما أن يقال إن البشرية تجاوزت الإسلام لأنها تقدمت علميا عن العهد الذي كان الإسلام مزدهرا فيه، فما أظن عاقلا يقوله، ولا عاقلا يصدقه!
فلنترك هذه، ولنستعرض نواحي"التقدم"الذي تقدمته البشرية فتجاوزت به الإسلام!
فلنأخذ الانحلال الخلقي!
يا لله! ما أهوله!