إنما الذي يمكن أن يقال إنه ذهب ولم يتكرر في التاريخ فليس هو الإسلام، إنما هو ذلك المستوى الرائع في الأداء، الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، والذي كانت له بواعث خاصة من شأنها ألا تتكرر، من بينها وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه بين ظهرانيهم؛ وتلقيهم للقرآن الذي يتنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما على الحوادث والأحداث، كأنما هو خطاب مباشر من الله لهم، يخاطبهم بأعيانهم وأشخاصهم، يعلمهم ماذا يقولون وماذا يفعلون، ويستجيب لخطرات عقولهم ونبضات قلوبهم؛ وأنهم هم الجيل الذي عاش الجاهلية ثم عاش الإسلام، فوعى النقلة كاملة بين ما كان وما صار، فكان شديد الحرص على الشحنة كاملة ألا تضيع منها ذرة واحدة .. وتلك كلها ظروف لا تتحقق إلا مرة واحدة لمن شهدها بالفعل. ولكن لو كان الإسلام لا يقوم في الأرض إلا بها لما كلف الله المسلمين بالإسلام إلى قيام الساعة، وهو الذي قدر الموت على كل نفس، ومن بينها نفس محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له سسبحانه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [1] .
إن الذي أنشأته هذه الظروف الفذة ليس هو مجرد الإسلام، إنما هو ذلك المستوى الفريد في الأداء، الذي لم يتكرر بصورته في جيل آخر. ولم يكن ذلك فرضا على أحد! إنما تم ذلك بالتطوع النبيل بما لم يفرضه الله على الناس فرضا لأنه يعلم سبحانه أنهم لا يطيقونه، فلم يفرضه عليهم، إنما فرض عليهم ما يعلم أنهم يطيقونه، وأنهم حين يحققونه ينالون خير الدنيا والآخرة، وقال لهم: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [2] ثم قال سبحانه: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) [3] فحبب إليهم التطوع النبيل، فأحبوه، وأطاقوه، واستعذبوه، فكان منهم ما كان من سمو وسموق، وعلو في الآفاق.
فإذا هبط الناس عن ذلك المستوى الشامخ حين زالت العوامل التي كانت تشحذ النفوس إلى آخر قطرة، وترفعها إلى أقصى الذروة .. فهل يقال إن الإسلام قد انتهى؟! كلا! بل بقي! وبقي شامخا، لا قرنا واحدا ولكن عدة قرون!
ونضرب مثالًا للتقريب.
فلنتصور جيلا من الطلاب، مشحوذة هممهم، حصلوا على النهايات العظمى في جميع المواد .. ثم جاء من بعدهم جيل وصل إلى تسعين في المائة في تقديره العام .. كيف نحكم عليه؟
حقا إننا إذا قسناه إلى الجيل الأول فقد هبط عنه عشر درجات! ولكن انظر من الجهة الأخرى، إنه ما زال في مستوى الامتياز!
لقد كانت الأجيال التالية لعصر الرسول صلى الله عليه وسلم متميزة على كل الأرض، ولعدة قرون، وفي مجالات متعددة، وإن كانت بطبيعة الحال دون ذلك الجيل الفريد الذي لم يتكرر في التاريخ!
ومع ذلك لا نقول إن ذلك الجيل الفريد ذاته قد ذهب ولم يعد!
إنه بعظمته الفذة ما زال يشرق بنوره على الأجيال .. كل الأجيال .. تقبس منه قبسات، أو تحاول أن تقبس منه قبسات!
إن هناك نجوما في السماء يقول الفلكيون إنها تبعد عن الأرض آلاف السنين الضوئية، ولكنا نراها - رغم بعدها الهائل هذا - لأنها ساطعة النور.
وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هم كالنجوم.
وإن بيننا وبين تلك النجوم نيفا وأربعة عشر قرنا من الزمان .. ولكنها ما تزال تضيء .. وما تزال تهدي .. وما تزال تقود. وتلك حكمة وجودها الذي كان في التاريخ!
ثم إنه إذا كان لم يتكرر جيل بأكمله كجيل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن الساحة لم تخل في أي جيل من الأجيال من نماذج فردية سامقة تذكّر بذلك الجيل، وتحيي ذكره في القلوب.
(1) سورة الزمر [30] .
(2) سورة البقرة [286] .
(3) سورة البقرة [184] .