(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [1] .
ثانيا: أن الصحة لا تمنع المرض إذا وجدت أسبابه!
فكما أن الجسم السليم عرضة لأن يمرض إذا وجدت دواعي المرض، ولا يقال عندئذ كيف أتاه المرض وقد كان سليما من قبل، فكذلك النفس السليمة عرضة لأن تمرض إذا وجدت دواعي المرض، ولا يقال عندئذ كيف أتاها المرض وقد كانت سليمة من قبل!
إنما الذي يمكن أن يقال شيء آخر: أن الصحة يفترض أن يكون معها قدر من المناعة يقاوم بعض الأمراض على الأقل، فيمنع توغلها في الجسم (أو في النفس) إلى أمد معين. أما أن هناك مناعة كاملة شاملة تمنع المرض إطلاقا فهذا ليس من طبع البشر لا في أجسامهم ولا في نفوسهم، إنما هو من خصائص الملائكة الذين خلقهم الله من نور شفيف، والذين (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) [2] والذين (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [3] .
ويشهد الواقع التاريخي أن الإسلام قد منح الأمة في عمومها قدرا من المناعة ضد أمراض معينة لفترة طويلة من الزمن، لم تتح لأي أمة أخرى مرت بظروف كظروفها، فلم تنتشر فيها أوبئة الانحلال الخلقي، والتفكك الأسري، والخمر والمخدرات والجريمة إلا في القرن الأخير حين جاء الغزو الغربي فنشر فيها تلك الأوبئة بعد أن كانت قواها قد أنهكت بسبب أمراضها الداخلية، فلم تعد تستطيع رد العدوان، ولا وقف الأوبئة عن السريان.
ثالثا: أنه يظل هناك فارق أساسي بين حال أوربا في قرونها الوسطى المظلمة، التي لم تجد لها علاجا إلا نبذ دينها والانسلاخ منه، وحال الأمة الإسلامية في الفترة الأخيرة من مسيرتها التاريخية، وإن وُجدت أعراض متشابهة في بعض المجالات بين هذه الحال وتلك الحال.
الفارق أنه في حال أوربا كان الخلل في المنهج ذاته، فكلما أمعنوا في اتباعه زادهم خبالا وأسلمهم إلى البوار. وفي حال الأمة الإسلامية كان المنهج سليما والخلل في عدم الاتباع .. ولكن كلا الخللين أحدث أمورا تشابهت هنا وهناك.
لقد كانت الصوفية قد أحدثت في حياة المسلمين المتأخرين قريبا مما أحدثته الرهبانية في حياة النصارى في عصورهم الوسطى، من إهمال الحياة الدنيا، وإهمال عمارة الأرض، والنظر إلى السعي فيها على أنه ملهاة عن الهدف الأسمى، وهو طلب الآخرة الذي ينبغي أن يستحوذ على قلوب الناس وعقولهم ولا ينشغلوا عنه بأمر آخر. مما أدى - أو ساعد على على الأقل - في انتشار الفقر والمرض والتخلف.
كما أدت تلك الصوفية إلى الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من غلو النصارى في عيسى عليه السلام، وإلى التعلق بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيلةً للخلاص في الآخرة بدلا من العمل، كما تعلق النصارى بالإيمان بعيسى ربًّا ومخلِّصا باعتباره هو وسيلة الخلاص.
كذلك أدت الصوفية إلى التعلق بالخوارق، سواء في قضاء الحاجات أو شفاء الأمراض أو غيرها من الأمر، بدلا من اتخاذ الأسباب مع التوكل الحق على الله، كما كان حال العامة في أوربا في عصورها المظلمة. وعوّدهم ذلك على التواكل، وعدم القدرة على بذل الجهد المنظم المثمر، وتقبل الواقع السيئ - الذي ينشأ من ذلك - على أنه قدر محتوم من عند الله لا مفر منه، بل لا يجوز التفكير في الفرار منه، لأن ذلك يعد نقصا في الإيمان!
(1) سورة الرعد [28] .
(2) سورة الأنبياء [20] .
(3) سورة التحريم [6] .