الصفحة 21 من 60

(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [1] .

ولكن أصحاب الدين الجديد ظلوا ثلاثة قرون غير ممكنين في الأرض، مضطهدين مشردين لا سلطان لهم، فاكتفوا بالعقيدة وحدها ولم يفكروا في تطبيق الشريعة، وظل القانون الروماني هو الحاكم في الإمبراطورية الرومانية التي كانت فلسطين جزءا منها، ولكن العجب أنه بعد اعتناق قسطنطين الدين الجديد، وبعد أن أصبح للكنيسة نفوذ متزايد، لم تفكر في تطبيق الشريعة، وإنما أخضعت الناس لسلطتها الذاتية لا لسطلة الشريعة، وظل القانون الروماني هو الحاكم دون تغيير (إلا فيما يسمى بالأحوال الشخصية وحدها) .

ونشأ عن هذا الوضع الذي أصبح فيه الدين عقيدة فحسب، أن حَمَلَة ذلك الدين تحولوا إلى كهنة [2] ، وصار لهم نفوذ روحي ضخم على الناس، بوصفهم وسطاء بين العبد والرب، فلا يصبح الإنسان نصرانيا إلا إذا عمده القسيس، ولا يستغفر لذنبه إلا على يد القسيس، ولا تصل إليه رحمة الله ومغفرته إلا عن طريق القسيس، ولا يعرف"أسرار"عقيدته إلا القسيس.

ومن هذا النفوذ الروحي الضخم بدأ طغيان الكنيسة الأوربية الذي لم يقف عند السلطان الروحي، بل أصبح طغيانا شاملا يشمل كل جوانب الحياة. فهو طغيان مالي يفرض على الناس عشور أموالهم، ويفرض عليهم الإتاوات، ويسخرهم للعمل مجانا في أرض الكنيسة التي أصبحت بمرور الزمن من ذوات الإقطاع؛ وطغيان فكري يحدد للناس ما يجوز وما لا يجوز لهم أن يفكروا فيه، والطريقة التي يفكرون بها، بما يتلاءم مع فهم رجال الدين، الذين لهم وحدهم حق تفسير النصوص الدينية؛ وطغيان سياسي على الملوك والأباطرة يخضعهم لسلطان البابا، فلا يصبحون حكاما شرعيين إلا بتنصيب البابا لهم (وإن كان البابا - بكل سلطانه هذا عليهم - لم يفرض عليهم تطبيق الشريعة الربانية!) ؛ وطغيان علمي يتدخل في نظريات العلم بالرفض والإباحة، فلا يبيح للعلماء أن يقولوا إن الأرض كروية، وإنها ليست مركز الكون، وتحرّقهم الكنيسة أحياء حين يقولون ذلك، كما فعل بجوردانو برونو، وكما حكم على كوبرنيكوس الذي مات قبل تنفيذ الحكم، وعلى جاليليو الذي تظاهر بالارتداد فنجا! (وإن كان في فراش الموت ظل يردد أن الأرض كروية حتى مات!) ولقد كان الطغيان العلمي بالذات، وتحريق العلماء أحياء من أشد ما نفر الناس في أوربا من الدين!

ثم إن هذا الدين كان يحمل - في صورته المنزلة من عند الله - جرعة روحية هائلة، لتوازن المادية الطاغية التي كان يعيش بها بنو إسرائيل، الذين أرسل المسيح إليهم خاصة كما جاء في القرآن الكريم: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ) [3] .

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) [4] .

ولكن الكنيسة حولته إلى رهبانية ما كتبها الله عليهم ولا على غيرهم.

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) [5] .

وتحول الدين بذلك إلى دين أخروي لا يحفل بالحياة الدنيا، ولا يشجع على بذل الجهد فيها، ولا يرحب بعمارة الأرض، بل يعتبر ذلك كله استجابة لإغراء الشيطان، ومجلبة لغضب الله.

(1) سورة المائدة [47] .

(2) كما يحدث في كل دين يكون عقيدة فحسب، دون أن يشتمل على شريعة.

(3) سورة آل عمران [49] .

(4) سورة الصف [6] .

(5) سورة الحديد [27] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت