هذا الدين - بصورته التي قدمته الكنيسة الأوربية، الذي صاحبه طغيان الكنيسة وحَجْرها على الأرواح والعقول - لم يكن صالحا للحياة، لا لأنه دين، كما ظنت أوربا - بجهالة - وهي تفرّ من طغيان الكنيسة، ولكن لأنه ذلك الدين المحرف الذي اشتركت في تحريفه العوامل التي أشرنا إليها من قبل.
وليس العجب أن أوربا ثارت على هذا الدين وتمردت عليه في نهاية الأمر، بل العجب أنها ظلت اثني عشر قرنا كاملة لا تحس بما في حياتها الدينية من انحراف خلال قرونها الوسطى المظلمة!
والحقيقة أن أوربا لم تشعر بما في مفاهيمها الدينية من خلل إلا حين احتكت بالإسلام والمسلمين عن طريق المعابر الثلاثة الكبرى التي عبر منها التأثير الإسلامي إلى أوربا، وهي الحروب الصليبية، والعلاقات التجارية التي أنشأتها جنوة والبندقية مع العالم الإسلامي، والعلاقات العلمية والثقافية التي انتشرت من الأندلس وصقلية الإسلامية.
عندئذ رغبت أوربا في الإسلام وأوشكت أن تدخل فيه كما يقول المؤرخ البريطاني ويلز:
"ولو تهيأ لرجل ذي بصيرة نافذة أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر، فلعله كان يستنتج أنه لن تمضي إلا بضعة أجيال قليلة، لا يلبث بعدها العالم أجمع أن يصبح مغوليا، وربما أصبح إسلاميا" [1] .
وعندئذ قامت الكنيسة تقاوم النفوذ الإسلامي بوحشية بالغة عن طريق محاكم التفتيش بفظائعها الرهيبة، كما أوحت إلى كتّابها في الوقت ذاته بتشويه صورة الإسلام ورميه بكل نقيصة لتنفير الناس منه. ونجحت الكنيسة بالفعل في صد أوربا عن الإسلام، فنشأت الأزمة التي ما يزال العالم كله يعاني نتائجها، إذ نبذت أوربا دين الكنيسة المقترن في حسها بطغيان الكنيسة وحجرها على الفكر ومحاربتها للعلم، ولم تدخل في الوقت ذاته في الدين الصحيح، فنشأت الجاهلية المعاصرة التي تحكم الأرض اليوم إلا ما رحم ربك!
تلك قصة أوربا مع الدين الذي عرفته ومارسته خلال قرونها الوسطى المظلمة، فحلّ بها ما حل من ظلام وتأخر وجهل وظلم وخرافة وانحصار.
ولم يكن أمامها حل - وقد أوصدت الكنيسة أمامها منافذ الدين الصحيح - إلا أن تنبذ دينها الكنسي، لتتقدم وتتعلم، وتتقوى وتتحرر من الطغيان!
والآن فلننظر في صفحة الإسلام!
أي شيء من هذا كله وجد في دين الله؟!
ليس في هذا الدين ابتداء كهنوت ولا رجال دين .. وليس لأحد من البشر فيه قداسة كقداسة البابا! إنما فيه علماء وفقهاء، يحترمهم الناس ويوقرونهم لعلمهم وفقههم لا من أجل مسوح يلبسونها! وهم - بعلمهم وفقههم - يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة لما يجدّ في حياة الناس، ولكن اجتهاداتهم ليست وحيا منزلا، إنما هي اجتهادات تخطئ وتصيب، ويناقشها من يؤهله علمه وفقهه لمناقشتها، فتنشأ ظاهرة الخلاف بين الفقهاء، وتباركها الأمة لأنها أداة لحيوية الفكر وتمحيص الآراء.
وليس في هذا الدين رهبانية ..
إنما فيه عمل ونشاط لعمارة الأرض، وفيه فسحة لنوازع النفس النظيفة الخيرة أن تأخذ مجالها بلا تحريج:
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [2] .
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [3] .
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [4] .
(1) ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز جاويد، جـ 3 ص 966.
(2) سورة الملك [15] .
(3) سورة الأعراف [32] .
(4) سورة هود [61] .