والسؤال الذي لا يحب التنويريون العلمانيون أن يسألوه، هو السؤال عن أسباب الانحراف الذي كان واقعا في أوربا في عصورها الوسطى، وأسباب الانحراف الذي وجد في الأمة الإسلامية في القرنين الأخيرين بصفة خاصة، هل هي واحدة حتى يكون العلاج واحدا، أم أنها أسباب مختلفة، فيكون لكل حالة علاجها الخاص؟!
لقد اقتنع التنويريون العلمانيون بادئ ذي بدء بأن السبب هو"الدين"فلم يرغبوا في البحث عن شيء وراء ذلك، وقرروا قرارهم على عجل: إذن أبعدوا الدين!
والحق أن قرارهم لم يكن متعجلا فحسب، بل كان قرار"المأخوذ"، إن صح أن المأخوذ يستطيع أن يقرر شيئا لذات نفسه على وعي حقيقي وإدراك.
لقد كان الدين داخلا في الحالتين: حالة أوربا في قرونها الوسطى المظلمة، وحالة العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين، ولكن على صورتين مختلفتين تماما، لا يكاد يجمع بينهما شيء.
لقد كان الظلام مخيما على أوربا نتيجة اتباعهم دينا أفسدته الكنيسة الأوربية بتصورات منحرفة، وسلوك طغياني أشد انحرافا، كان هذا هو كل ما عرفته أوربا من"الدين"، وكان الظلام الذي غشى العالم الإسلامي نتيجة عدم اتباعهم للدين الصحيح، الذي أنزله الله عليهم، والذي مكّن الله لهم به في الأرض عدة قرون.
والفرق واضح - أو يجب أن يكون واضحا - بين الحالتين. ففي الحالة الأولى كان الخلل في المفهوم الديني ذاته، وقد رأوا أنه لا سبيل إلى التخلص منه إلا بالتخلص من ذلك الدين. وفي الحالة الثانية كان الخلل في سلوك البشر مع الدين الصحيح، وعلاجه هو تصحيح البشر لسلوكهم المنحرف، والعودة إلى الالتزام بالدين الصحيح.
وهذا الأمر يحتاج إلى شيء من التفصيل. وقد فصلنا الحديث فيه في أكثر من كتاب، وخاصة في كتاب"حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية". ولكن لا بد هنا من بعض البيان - ولو كان مكررا - لأن القارئ قد لا يكون قد قرأ الكتب الأخرى التي عالجت الموضوع من قبل.
إن أوربا لم تعرف دين الله المنزل على حقيقته التي أنزل بها من عند الله. إنما الدين الذي عرفته هو دين وضعته المجامع الكنسية الأوربية وفرضته فرضا على الناس.
يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في كتابه"معالم تاريخ الإنسانية":"فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية، أمَّا ما علّمه بولس فهو الديانة القديمة: ديانة الكاهن والمذبح، وسفك الدماء لاسترضاء الإله" [1] .
ويقول"برنتون"في كتاب"أفكار ورجال":"إن المسيحية الظافرة في مجمع نيقية - وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم - مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل. ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية، لخرج من ذلك قطعا - لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية فحسب - بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا" [2] .
وغيرهم وغيرهم كثير ..
ودين عيسى عليه السلام كان عقيدة وشريعة ككل رسالة جاءت من عند الله، وكانت شريعته هي ما جاء في التوراة مع التعديلات التي أنزلت على عيسى عليه السلام:
(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [3] .
(1) ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، جـ 3، ص 705.
(2) جرين برنتون، أفكار ورجال، ترجمة محمود محمود ص 207.
(3) سورة آل عمران [50] .