سواء كان التخلف الحربي ناشئا من العوامل التي أشرنا إليها آنفا: أي التخلف العلمي والتخلف الاقتصادي والتخلف العقدي، والتخلف الحضاري - وهو ما نرجحه - أو كان السبب كما يقول بعض المؤرخين هو تفكك فرقة الإنكشارية التي كانت تمثل العمود الفقري في القوة الحربية للدولة العثمانية، وعجز الدولة عن تعويضها، فقد حدث التخلف الحربي بالفعل، وحدث في أحرج الأوقات، التي كانت أوربا فيها تزداد قوة في جميع الميادين، ومن بينها الميدان الحربي، فنشأ من ذلك اختلال حاد في ميزان القوى، وصارت الدولة العثمانية هدفا للصليبية من كل جانب، ففرنسا وبريطانيا من جهة تؤلبان النصارى الداخلين في حكم الدولة العثمانية في أوربا وآسيا ليثوروا على الدولة ويستقلوا عنها، وروسيا من جهة أخرى تجتاح الممالك الإسلامية في آسيا، وتستولي عليها، وتفصلها عن دولة الإسلام، وتعمل فيها حقدها الصليبي. ثم لم تكتف الصليبية بذلك، بل سعت إلى احتلال بلاد العالم الإسلامي واحدا بعد الآخر، حتى إذا جاء القرن التاسع عشر الميلادي لم يكن قد بقي من العالم الإسلامي ما لم تدنسه أقدام الصليبيين إلا جسم الدولة العثمانية، وأجزاء من الجزيرة العربية .. وبقية الأرض تحتلها جيوش الأعداء، ولا تكتفي بإذلالها واستعبادها ونهب خيراتها، إنما تسعى - أول ما تسعى - إلى تنحية الإسلام عن الهيمنة على الحياة، وإيجاد بديل غير إسلامي، بل معادٍ للإسلام.
وقد كانت مصر بالذات من أبرز أهداف الغزو الصليبي بالإضافة إلى تركيا، لمحاولة القضاء على الإسلام في صورتيه السياسية والحربية ممثلا في الدولة العثمانية، وفي صورتيه الروحية والثقافية ممثلا في الأزهر، ثم إذا تم إخضاع هاتين القلعتين بالذات، وإبعادهما عن الإسلام، فيمكن حينئذ تصدير الفساد منهما إلى بقية العالم الإسلامي، وبدلا من أن تكون الأفكار المطلوب بثها - والتي تمثل الغزو الفكري - عليها طابع لندن وباريس، فينفر منها المسلمون في كل الأرض، يكون الطابع مصنوعا في القاهرة وإسطنبول، فيسهل تقبل الناس له!
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون! فقد كان هدفها المعلن هو قطع الطريق الإمبراطوري بين بريطانيا والهند، ولكن أهدافها الخفية كانت غير ذلك تماما (ولا ينفي هذا وجود التنافس بين بريطانيا وفرنسا، ورغبة كل منهما أن تزيح الأخرى وتأخذ مكانها!) [1] وإلا فما علاقة قطع الطريق الإمبراطوري بين بريطانيا والهند بتنحية الشريعة الإسلامية في مصر وضرب الأزهر بالقنابل من القلعة، واستخدامه اصطبلا للخيل؟! وما علاقة قطع الطريق الإمبراطوري بإثارة النعرة الفرعونية في مصر، ومحاولة اقتلاعها لا من الإسلام وحده ولكن من العروبة كذلك؟!
وإذا كان حديثنا هنا عن التخلف الحربي - والآثار التي ترتبت عليه - فلا بد أن نذكر معركة إمبابة الشهيرة التي وقعت بين نابليون وبين المماليك الذين كانوا يحكمون مصر، ويقومون بحمايتها من الغزو الصليبي. فقد حارب المماليك بشجاعة - ولم تكن الشجاعة تنقصهم - وحاربوا بصلابة وحماسة وإصرار، دفاعا عن مصر، وعن الإسلام. ولكن ماذا تجدي الشجاعة والصلابة والحماسة أمام التفوق الحربي الكاسح؟ لقد كانت مدافع نابليون المتفرقة تحتاج إلى فترة زمنية بين كل طلقة وطلقة، وإذا حميت من توالي الضرب صار مداها أقرب وإصابتها أضعف!
لقد استغرقت المعركة عشرين دقيقة .. تغير بعدها وجه التاريخ!
(1) ظل الصراع دائرا بين فرنسا وبريطانيا حتى اتفقتا في معاهدة سايكس - بيكو على اقتسام النفوذ بينهما، أي اقتسام العالم الإسلامي، وقيام كل منهما - في منطقة نفوذها - بالقضاء على الإسلام هناك!