وقع الاستبداد السياسي مبكرا في حياة الأمة الإسلامية منذ الدولة الأموية التي اشتدت في ضرب أعدائها السياسيين بحجة القضاء على الفتنة التي نجمت عن مقتل عثمان رضي الله عنه، والنزاع بين علي ومعاوية.
وأيا كانت المبررات، فقد كانت الفرصة مواتية بعد استقرار الأحوال واستتباب الأمر للأمويين أن يعود الحكم الإسلامي إلى صفائه الرائع الذي كان عليه في فترة الخلفاء الراشدين حيث الشورى الإسلامية حقيقة واقعة، والعدل الإسلامي واقع مشهود. وقد كانت فترة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بالفعل عودة إلى ذلك الصفاء النموذجي، وكان يمكن أن تستمر حركة التصحيح حتى تعيد الأحوال إلى صورتها الإسلامية الأصيلة. ولكن الأمويين لم يطيقوا عمر بن عبد العزيز، وسياسته المثالية، وما لبثوا بعد وفاته أن عادوا إلى ما كان قد حجزهم عنه من سلب أموال الناس وحكمهم بالقبضة الحديدية.
ثم جاء الحكم العباسي، فالمملوكي، فالعثماني، يرث بعضهم بعضا في طريقة الحكم الاستبدادي، إلا أن يقيض الله للمسلمين حاكما عادلًا بطبعه، فيأخذ الناس بالرفق، ويسوسهم بالعدل. ونماذج الحكام العادلين في الإسلام ليست قليلة كما يزعم المستشرقون وتلاميذهم، وليست الصفحة كلها سوداء كما يصورونها لأمر يراد! ولكن الذي نريد أن نبرزه هنا أن الأمة لم تعد تهتم من جانبها بتصحيح مسار الحكم كما أمرها رسولها صلى الله عليه وسلم عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"كلا، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه عليه قصرا" [1] . وهذا هو الذي نقصده بالتخلف السياسي، لأنه تخلف عن الصورة التي أمر بها الإسلام، والتي عاشها المسلمون واقعا أيام الخلافة الراشدة، سواء من جانب الحكام أو من جانب المحكومين.
لقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج المسلح على الحاكم الجائر"إلا أن تروا كفرًا بواحا عندكم من الله فيه برهان" [2] لأن الضرر المترتب على الفتنة أكبر بكثير من الضرر المترتب على الجور. ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس أن يستنيموا للظلم الواقع عليهم ويتركوا مجاهدته بوسائل أخرى غير الخروج بالسلاح (كالوسيلة السياسية مثلا عن طريق أهل الحل والعقد وهم نواب الأمة الراعون لمصالحها) بل قال على العكس من ذلك:"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب منه" [3] ، ولكنا لا نعجب للتخلف السياسي إذا وضعناه إلى جانب إخوته من ألوان التخلف في شتى الميادين!
(1) أخرجه أبو داود.
(2) أخرجه البخاري.
(3) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة.