في الوقت الذي كانت أوربا تخوض الثورة الصناعية كان العالم الإسلامي ما زال يعتمد على الزراعة. والزراعة ذاتها تتم بالأدوات وبالأساليب البدائية التي ظلت مستخدمة آلاف السنين دون تغيير. وتقتصر الصناعة على الحرف اليدوية المحدودة الطاقة المحدودة الإنتاج المحدودة التوزيع.
وفي الظروف التي شرحنا جوانب منها من قبل، من أمراض عقدية وأمراض سلوكية، وتخلف علمي وتخلف حضاري، لم يكن التخلف الاقتصادي إلا نتيجة طبيعية لمجموع الظروف.
أما بالنسبة لما كان عليه حال الأمة في قرونها الأولى، وبالنسبة لما كان يجب أن يكون، فالانتكاسة مريعة في حجمها، وفي نتائجها.
في وقت من الأوقات كانت ثروة العالم في يد المسلمين.
كانت التجارة العالمية من الصين شرقا إلى الجزر البريطانية غربا وشمالا في يد التجار المسلمين. وكان البحران الأحمر والأبيض بحيرتين إسلاميتين إن صح التعبير. وكان البحارة المسلمون هم سادة البحار، العالمين بشواطئها، وبمدها وجزرها، وخطوط الملاحة الصحيحة فيها، سواء في المحيط الهندي في آسيا أو المحيط الأطلسي في غرب إفريقيا وغرب أوربا، أو أنهار أفريقيا وآسيا ..
وحين اكتشف فاسكوداجاما طريق رأس الرجاء الصالح، فقد اكتشفه على هدى الخرائط الإسلامية [1] ! وحين أتم رحلته إلى جزر الهند الشرقية فقد كان قائد سفينته هو البحار العربي المسلم ابن ماجد!!
في ذلك الوقت كانت ثروة العالم في يد المسلمين!
وكان المفترض - لو سارت الأمور بالأمة سيرها الصحيح - أن تولد الثورة الصناعية على يد المسلمين في الأندلس، أو في غيرها من مراكز العلم والصناعة المنتشرة في العالم الإسلامي.
ولو وقع ذلك لتغير التاريخ!
ولكنه لم يقع .. لأن السنن الربانية لم تكن لتحابي الأمة الإسلامية وهي في انحرافها المتزايد عن طريق الله المستقيم، وإغفالها المتزايد لحقيقة دينها، وحقيقة رسالتها، وقعودها عن اتخاذ الأسباب التي أمرها الله باتخاذها.
ووقع التمكين لأوربا، بما تعلمته من علوم المسلمين .. ثم احتضن اليهود الثورة الصناعية وأداروها بالربا - في غيبة الأمة الإسلامية التي كانت قمينة أن تدير الحركة الصناعية بغير الربا لو أنها كانت في مكانها الصحيح - وأتاح الربا لليهود السيطرة على العالم كله .. والاستيلاء على فلسطين! وكان هذا كله إحدى النتائج التي ترتبت على التخلفين العلمي والاقتصادي للمسلمين!
(1) اكتشف فاسكوداجاما طريق رأس الرجاء الصالح لأوربا التي كانت تجهله، أما المسلمون فقد كان الطريق معروفا لهم ومستخدما قبل ذلك بعدة قرون!