كيف فقدت الأمة حاستها العلمية التي كانت بها ذات يوم معلمة البشرية؟!
أما أن الحركة العلمية الإسلامية كانت في وقت من الأوقات - ولقرون عدة - حركة رائدة، فأمر سجله التاريخ، وشهد به من أعدائها من شهد، و"الفضل ما شهدت به الأعداء"كما قال الشاعر القديم. وخذ من نماذج تلك الشهادات شهادة آدم متز في كتابه"حضارة الإسلام في القرن الرابع الهجري"وشهادة جوستاف لوبون في كتابه"حضارة العرب"وشهادة زيجريد هونكه في كتابها"شمس الله تشرق على الغرب"وغيرهم .. وكلهم أشادوا بالحركة العلمية التي كان المسلمون روادها، وأشادوا بصفة خاصة بأعظم ما كان في تلك الحركة العلمية، وهو اتخاذ المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي كان هو أساس كل التقدم الحالي في ميدان العلوم.
كيف فقدت الأمة حاستها العلمية، وصارت إلى جهل وتخلف في كل فرع من فروع العلم؟
لا عجب! حين تفقد الأمة إحساسها برسالتها. حين تفقد القوة الدافعة التي تدفعها للنشاط والحركة. حين ترى أن"العمل"لا ضرورة له. حين تتواكل وتكف عن الأخذ بالأسباب. بل حين تلقي الدنيا كلها من بالها تَوَهُّمًا منها أنها بذلك تعمل لآخرتها، وتهتم بما هو جدير باهتمامها .. فكيف يكون للعلم مكان في حياتها؟
بل الطامّة كانت حين توهمت الأمة - في تخلفها - أن الاشتغال بالعلوم الكونية نقص في الدين، وابتعاد عما أمر الله به! بل وصل الأمر ذات يوم بمعاهد العلم الكبرى - كالأزهر - أن ترى أن الاشتغال بالعلوم الكونية كفر أو كالكفر، وأن العلم هو علم الشريعة وحده ولا علم سواه!!
وفي القرن الخامس الهجري كان الغزالي يتحدث عن فروض العين وفروض الكفاية فيضع العلوم الكونية في فروض الكفاية التي تأثم الأمة كلها إذا لم يقم القادرون منها بالتمكن فيها، بينما وصلت الأمة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين إلى اعتبار الاشتغال بتلك العلوم كفرا أو كالكفر! ونسيت الأمة أن تنفيذ الأمر الإلهي"بإعداد القوة"لا يمكن أن يتم بغير التمكن في تلك العلوم:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) [1] .
وحتى العلم الشرعي، الذي زعمت تلك المعاهد أنه هو العلم الحلال وحده، لم يكن ذلك العلم المتفتح الذي كان في قرون الأمة الأولى، وأنتج إنتاجا فكريا متميزا، وثروة باقية نافعة، إنما كان دراسة تلقينية تعتمد على استظهار ما خلف الأقدمون، ولا تمنح القدرة على الاجتهاد فيما جدّ من الأمور .. بل تعتبر الاجتهاد ذاته زيغا يعاقب عليه الإنسان بدلا من أن يثاب!
(1) سورة الأنفال [60] .