الصفحة 13 من 60

كيف تكون حضارة بغير جهد يبذل؟ بغير عزيمة توجّه؟ بغير قدرة على التنظيم والتخطيط والمتابعة والمثابرة ذات النفس الطويل؟

لقد كانت الحضارة الإسلامية حدثا فذا في التاريخ .. فقد سبقتها في الوجود حضارات جاهلية كثيرة، برعت في جوانب من الحياة وغفلت عن جوانب أخرى:

(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [1] .

والحضارة الإسلامية كانت فذة في شمولها لكل الجوانب في آن واحد، وتوازنها بين شتى الجوانب في آن واحد.

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [2] .

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [3] .

هي الحضارة التي شملت جسد الإنسان وروحه، وعقله ووجدانه، عمله وعبادته، دنياه وآخرته، أفراده ومجتمعه، قيمه المادية وقيمه المعنوية، وكانت إنسانية النزعة تفتح أبوابها للبشرية كلها، من شاء منها أن ينهل من مناهلها، لا تحتجز خيرها عن الناس، وتتعامل مع أصحاب الديانات الأخرى بسماحة لم تعرف في غير الإسلام.

حضارة قيم إلى جانب النشاط المادي والحسي. ترتاد مجاهيل الأرض، وتستخرج كنوز الأرض، وتنشط كل مناشط الأرض، دون أن تفقد صلتها بربها، وذكرها لآخرتها، وحيثما تحركت نشرت الرقي، ونشرت العدل، وأخرجت الناس من الخرافة إلى الحق، ومن الظلمات إلى النور ..

ولو أن هذه الحضارة انحسرت، فقبعت داخل حدودها، وانحصرت في ذاتها، ولم تفتح أبوابها للناس كافة، لكانت تلك نكسة بالنسبة للأمة التي أخرجها الله لا لذات نفسها فحسب، ولكن للناس.

فكيف إذا كان الانحسار لم يتناول الكم بل تناول النوع، فانحسرت تلك الحضارة عن قيمها الأخلاقية، وعن نشاطها الأرضي، وعن إبداعها في عمارة الأرض، وعن التجدد الحي الذي يزيد الحياة ثراء، وتقلصت حتى صارت جمودا خاملا ورتابة بليدة، واجترارا لا للأمجاد، بل لما خلفته النكسات تلو النكسات؟

أي تقصير وقعت فيه الأمة الرائدة، التي أخرجها الله لتكون شاهدة على كل البشرية؟

(1) سورة الروم [7] .

(2) سورة القصص [77] .

(3) سورة الملك [15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت