الصفحة 12 من 60

هذا الدين من أول لحظة دين أخلاق:

وكل رسالة جاءت من عند الله كانت رسالة أخلاقية، تدعو لمكارم الأخلاق، وترسخ وجودها في الأرض، ولكن هذه الرسالة الخاتمة كانت هي"التمام"الذي يتمم البناء، ويعطيه صورته النهائية الفائقة:

"مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" [1] .

"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" [2] .

وكانت أخلاق الأمة الإسلامية في عهودها الأولى مضرب المثل في كل اتجاه.

فحين فتح أبو عبيدة بلاد الشام واشترط أهلها عليه أن يحميهم من الروم مقابل دفع الجزية، ثم جهز هرقل جيشا ضخما لاسترداد بلاد الشام من المسلمين، رد أبو عبيدة الجزية لأهل الشام وقال لهم:"لقد اشترطتم علينا أن نمنعكم وقد سمعتم بما يجهز لنا، وإنا لا نقدر على ذلك (أي على حمايتكم من الروم) ونحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم"كان هذا عملا أخلاقيا فريدا في التاريخ. وحين أدّب عمر بن الخطاب ابن عمرو بن العاص لأنه ضرب الشاب القبطي الذي فاز عليه في السباق، وقال لعمرو:"يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"كان هذا عملا أخلاقيا فريدا في التاريخ. وحين حكم القاضي بإخراج الجيش الإسلامي من سمرقند لأنه خالف العهد الذي أبرم بينه وبين أهلها، كان هذا عملا أخلاقيا فريدا في التاريخ .. وانتشر الإسلام في جنوب شرقي آسيا على يد التجار المسلمين، لأن الأهالي وجدوا فيهم نموذجا أخلاقيا فريدا حببهم في الإسلام، فدخلوا فيه بالملايين .. والنماذج أكثر من أن تحصى.

فلو انحسرت تلك الأخلاق حتى صارت محصورة فيما بين المسلمين بعضهم وبعض، كحال الأخلاق الغربية التي يتعامل بها الغربيون البيض مع بعضهم البعض، فإذا خرجوا مستعمرين انقلبت تلك الأخلاق أنانية بشعة ووحشية لا إنسانية فيها، لكانت تلك نكسة غير مقبولة من المسلمين، الذين أخرجهم الله ليكونوا نموذجا فذا للناس كافة، يعلمونهم مكارم الأخلاق، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [3] .

فكيف إذا كان الانحسار لم يكن في تغيير القاعدة، من قاعدة إنسانية شاملة إلى قاعدة قومية أنانية، بل كان أدهى وأخطر، إذ فقد المسلمون أخلاقياتهم في تعاملهم بعضهم مع بعض، فصاروا أسوأ حتى من الأمم الجاهلية التي لا تعرف مكارم الأخلاق إلا مصالح ومنافع وعصبيات؟!

وكم قدر الجريمة حين يكون الذين فسدت أخلاقهم على هذا النحو يحملون أسماء إسلامية، ويحملون شعار الإسلام؟! والله سبحانه وتعالى يقول:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [4] .

وقد كان هذا التحذير الشديد بشأن تخلفٍ واحدٍ وقع من بعض المسلمين، فيما يتعلق بالقتال .. فكيف حين يكون التخلف في كل شأن، ومن الكثرة الكاثرة من الناس؟! كم يكون المقت الرباني كبيرا؟ وكم تكون النتائج خطيرة؟

(1) أخرجه مسلم.

(2) أخرجه أحمد.

(3) سورة آل عمران [110] .

(4) سورة الصف [2 - 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت