الصفحة 11 من 60

لقد نزلت هذه العقيدة لتؤدي مهمة ضخمة في حياة الأمة التي تؤمن بها، بل في حياة البشرية عامة، لا لتكون مجرد كلمة تنطق باللسان، أو وجدان يُسْتَسَرّ في القلب. إنما لتكون شهادة منطوقة، ووجدانا حيا في القلوب، وواقعا مشهودا يراه الناس في سلوك واقعي.

وإذا كان هذا ينطبق على كل رسالة جاءت من عند الله:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [1] .

فإن هذه الرسالة الخاتمة لها وضع خاص عند منزلّها سبحانه، وفي واقع الأرض، وواقع التاريخ:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [2] .

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [3] .

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) [4] .

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [5] .

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [6] .

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [7] .

نعم .. لقد أنزل الله هذه الرسالة لشأن عظيم، يتعلق بالبشرية كلها، ليخرجها من الظلمات إلى النور. فلو أنها انحسرت لتصبح مجرد رسالة لأمة من الأمم، لكان هذا تخلفا عظيما عن الشأن العظيم الذي أنزلت من أجله، ولو كانت هذه الأمة تشمل مساحة واسعة من الأرض، وعددا كبيرا من البشر، فما بال إذا كان الانحسار قد كان أوسع مدى وأشد خطرا، بحيث لم تصبح الرسالة فاعلة حتى بالنسبة للأمة التي اعتنقتها وحملت أمانتها، بل أصبحت مجرد كلمات تنطق باللسان، ووجدانات مستسرَّة في الضمير، وبضع شعائر تؤدى من باب التقليد .. ؟!

أي تخلف عن حقيقة الرسالة وأي انحسار؟!

وأي جرم يرتكبه المسلمون في حق ربهم، وفي حق أنفسهم، وفي حق البشرية كلها، حين تتحول العقيدة على أيديهم من ذلك الكيان العملاق الذي أراده الله، إلى ذلك القزم الذي لا يكاد يتبين له قوام؟!

(1) سورة النساء [64] .

(2) سورة آل عمران [110] .

(3) سورة البقرة [143] .

(4) سورة المائدة [3] .

(5) سورة الأنبياء [107] .

(6) سورة المائدة [15 - 16] .

(7) سورة الأعراف [158] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت