وقد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولايدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صيفه أدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لايدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها ألا ليدخله إليها أتم دخول. فالله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جوار المطعم بين عدي ودخوله إليها يوم الفتح وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها، وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه وأغناه بعد فقره وهداه بعد ضلاله وجمع قلبه بعد شتاته وفرحة من لم يذق تلك المرارات.
وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) .
وكذلك حكمته في أن يخلق مثل جبريل صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أطيب الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها وأشرفها وهو السفير في كل خير وهدي وايمان وصلاح، ويخلق مقابلة مثل روح اللعين إبليس الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها وأحقرها وهو الداعي إلى كل شر وأصله ومادته، وذلك من تمام قدرته وحكمته أن خلق الضياء والظلام، والأرض والسماء، والجنة والنار، وسدرة المنتهي وشجرة الزقوم، وليلة القدر وليلة الوباء [1] والملائكة والشياطين، والمؤمنين والكفار، والابرار والفجار، والحر والبرد، والداء، والدواء، والالام، واللذات، والأحزاب والمسرات.
واستخرج سبحانه من بين ذلك ما هو أحب الأشياء من أنواع العبوديات والتعرف إلى خلقه بأنواع الدلالات.
وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدا ولكل صواب معاندا، كما أقام لكل نعمة حاسدا ولكل شر رائدا، وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته الظاهرة ليتم عليهم كلمته، وينفذ فيهم مشيئته، ويظهرفيهم أثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى، ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخل لحكمة ولم يخلق خلقه عبثا ولا يتركهم سدا وأنه لم يخلق السموات والأرض ومابينهم باطلا.
وامتدادا لاختصاص واقع الدعوة بأصل الحكمة، فقد كان لواقع الدعوة اختصاص بحقيقة الخير، وذلك أن الحكمة تقتضي أن يكون التأييد الرباني للخير الراجح.
ومن هنا لزم أن يكون واقع الدعوة هو واقع الخير الراجح.
اختصاص واقع الدعوة وأنها واقع الخير الراجح:
وفيه يقول ابن القيم: فالله كم عمرت قصة بدر من ربح أصبح أهلا بالأيمان، وكم فتحت لأولي النهي من باب وصلوا منه إلى الهدى والايقان.
(1) التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يقول ينزل مرض كل عام فيصيب كل إناء مكشوف.