وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان، وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها الكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها، وهي كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت بالنسبة إلى مصلحة العامة، وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق ال فرعون، للأمم من الهدى والايمان الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته. فكم لله من حكمة في اياته التي ابتلي لها أعدائه وأكرم فيها أوليائه وكم له فيها من أية وحجة وتبصرة وتذكرة، ولهذا امر سبحانه رسول أن يذكر بها أمته فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) .
فذكرهم بأمامه وإنعامه، ونجاتهم من عدوهم واهلاكهم وهو ينظرون، فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه واجلاله ما تلاشت فيه مفسدة اهلاك الابناء وذبحهم، واضمحك، فإنهم صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون إذا كبروا وسومه لهم سوء العذاب.
وأراد الله سبحانه وتعالى أن يرى عباده ماهو من أعظم اياته وهو ان يرى هذا المولود الذي ذبح فرعون ما شاء الله من الأولاد في طلبه، في حجر فرعون وفي بيته وعلى فراشه، فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية، وتبصرة، وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها ولم تكن لتوجد بدونها فإنه ممتنع فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح الأبناء وجعلها كأن لم تكن.
وكذلك الايات التي أظهرها سبحانه وتعالى على يد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم [1] والعجائب والحكم والمصالح والفوائد التي في تلك القصة التي تزيد على الأفل لم تكن لتحصل بدون ذلك السبب الذي كان مفسدة حزونة يعقوب ويوسف، ثم انقلبت تلك المفسدة مصال اضمحلت في جنبها تلك المفسدة بالكلية وصارت سببا لأعظم المصالح في حقه وحق يوسف وحق الإخوة وحق أمرأة العزيز وحق اهل مصر وحق المؤمنين إلى يوم القيامة، فكم جني أهل المعرفة بالله وأسمائه وصفاته ورسله من هذه القصة من ثمرة؟ وكم استفادوا بها من علم وحكمة وتبصرة.
وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مس الشيطان له بنصب وعذاب اضمحك وتلاشت في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند مفارقة البلاء وتبدله بالنعماء بل كان السبب المكروه هو الطريق الموصول إليها والشجرة التي جنيت ثمار النعم منها.
وكذلك الأسباب التي وصلت خليل الرحمن إلى أن صارت النار عليه بردا وسلاما، من كفر قومه وشركهم وتكسيره أصنامهم وغضبهم لها وإيقاد النيران العظيمة له وإلقائه فيها بالمنجنيق، حتى وقع في روضة خضراء في وسط النار وصارت اية وحجة وعبرة ودلالة للأمم قرنا بعد قرن، فكم لله سبحانه وتعالى في ضمن هذه الآية من حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ورحمة وحجة وبينة.
(1) يوسف ابن يعقوب إبن اسحاق إبن براهيم عليه الصلاة والسلام.